الثالث: التمييز، وهو نور في الروح تميز به الأشياء على ما هي عليه في نفس الأمر تمييزا كاملا، ومع ذلك فلا تحتاج فيه إلى تعلم بل بمجرد رؤية الشيء أو سماع لفظه تميزه وتميز أحواله ومبدأه ومنتهاه وإلى أين يصير ولماذا خلق. ثم الأرواح مختلفة في هذا التمييز على قدر الإطلاع، فمن الأرواح من هو قوي في الإطلاع، ومنها من هو ضعيف، وأقوى الأرواح في ذلك روحه صلى الله عليه وسلم، فإنها لم يحجب عنها شيء من العالم، فهي مطلعة على عرشه وعلوه وسفله ودنياه وآخرته وناره وجنته، لأن جميع ذلك خلق لأجله صلى الله عليه وسلم. فتمييزه عليه الصلاة والسلام خارق لهذه العوالم بأسرها فعنده تمييز في أجرام السموات من أين خلقت ومتى خلقت ولم خلقت، وإلى أين تصير في جرم كل سماء، وعنده تمييز في ملائكة كل سماء وأين خلقوا ومتى خلقوا ولم خلقوا وإلى أين يصيرون، ويميز اختلاف مراتبهم ومنتهى درجاتهم، وعنده عليه الصلاة والسلام تمييز في الحجب السبعين وفي ملائكة كل حجاب على الصفة السابقة، وعنده عليه الصلاة والسلام تمييز في الأجرام النيرة التي في العالم العلوي مثل النجوم والشمس والقمر واللوح والقلم والبرزخ والأرواح التي فيه على الوصف السابق، وكذا عنده عليه الصلاة والسلام تمييز في الأرضين السبع، وفي مخلوقات كل أرض، وما في البر والبحر من ذلك، فيميز جميع ذلك على الصفة السابقة، وكذا عنده عليه الصلاة والسلام تمييز في الجنان ودرجاتها وعدد سكانها ومقاماتهم فيها، وكذا ما بقي من العوالم. وليس في هذا مزاحمة للعلم القديم الأزلي الذي لا نهاية لمعلوماته، وذلك لأن ما في العلم القديم لم ينحصر في هذا العالم، فإن أسرار الربوبية وأوصاف الألوهية التي لا نهاية لها ليست من هذا العالم في شيء.