وأما المعنوي: فهو عبارة عن امتزاج المعرفتين، أعني المعرفة الباطنة والمعرفة الظاهرة. وذلك أن المخلوقات بأسرها عارفة بخالقها سبحانه لا فرق في ذلك بين صامت وناطق، ولا بين حي وجامد، وما من مخلوق إلا وجميع جواهره فيها هذه المعرفة الباطنة كما سبق بيانه في الخوف التام، ثم من رحمه الله عز وجل صير له ما كان باطنا ظاهرا، فيشعر بمعرفة جميع جواهره بربه عز وجل، ويصير في ظاهره عارفا بربه بجميع أجزاء ذاته وهذا من أعلى درجات المعرفة. وقد فعل سبحانه هذا بالأرواح فهي عالمة بربها في ظاهرها بجميع ذواتها مع بعد اتفاقها في هذا الصفاء، فهي مختلفة فيه على قدر تفاوت ذواتها في الصغر والكبر، فإن من الأرواح من حجمه صغير ومنها من حجمه كبير، ولا شك أن من حجمه كبير فجواهره أكثر فتكون معارفه بربه عز وجل أكثر. وأكبر الأرواح قدرا وأعظمها حجما روحه صلى الله عليه وسلم فإنها تملأ السموات والأرضين، ومع ذلك فقد انطوت عليها الذات الشريفة واحتوت على جميع أسرارها فسبحان من أقدر الذات الطاهرة على ذلك. ثم إذا سكنت الروح في الذات سكنى المحبة والرضا والقبول وزال الحجاب الذي بينهما، أمدتها بصفائها الحسي والمعنوي، فيحصل في الذات صفاء حسي فينشأ عنه صفاء الدم الذي في الذات وذلك بأربعة أمور خفته، وزوال الثقل عنه فإنه على قدر ثقل الدم يكون خبثه وتكثر معه الشهوات، وصفاء رائحته وعلامة ذلك أن تكون رائحته كرائحة العجين وأما الدم الخبيث فإن رائحته كرائحة الحمأ المسنون، وصفاء لونه وعلامته أن يضرب إلى الصفرة. وأما الدم الخبيث فإن لونه يضرب إلى السواد، وعلى قدر قربه من السواد يكون خبثه وصفاء طعمه، وعلامته أن يكون حلوا. وأما الدم الخبيث فإن طعمه يشبه طعم الشيء المحروق.