الصفحة 3 من 27

وحُذفت منذ أكثر من عشرة قرون مما""أدى إلى انهيار العقلانية العربية الإسلامية في العصر الكلاسيكي، بعد أن كانت شهدت صعودًا رائعًا ومدهشًا"" [1] .

ولذلك فإن""مأساتنا نحن المسلمين [كما يرى الخطاب العلماني] هي أن الأطروحة الثانية [أي الأطروحة الحنبلية القائلة بأن القرآن غير مخلوق] هي التي انتصرت وترسخت في التاريخ، وحُذفت مقولة المعتزلة التي لم تنتصر إلا لفترة قصيرة، وفي الأوساط العقلانية المستنيرة أيام المأمون بشكل خاص"" [2] .

هكذا تبدو الاستنارة مرتبطة بالاعتزال، والقول بخلق القرآن، أما من يرى عكس ذلك فهو ظلامي رجعي، ولأن هذه الظلامية الرجعية قد طَمست أطروحة المعتزلة تحت ركام التاريخ وطبقاته السلفية""فينبغي أن نحفر عليها أركيولوجيًا، أن ننبشها من تحت الأرض، أن نُذكِّر الناس بها"" [3] .

لماذا كل هذا الحرص على المنظور الاعتزالي في القرآن؟ يجيبك الخطاب العلماني:""من أجل أن نفتح ثغرة في الجدار المسدود للتاريخ ... [لأن هذه الأطروحة الاعتزالية] تعني بكل بساطة أن القرآن بحاجة إلى وساطة بشرية، أن نقول بأن القرآن مخلوق فهذا يعني أنه متجسد في لغة بشرية هي هنا اللغة العربية"" [4] .

ولذلك فإن انتصار الرؤية الحنبلية لا يعني أنها تمتلك الصلاحية العلمية أو العقلية، وإنما يعني أن الأرثوذكسية هي التي انتصرت نتيجة لتضافر عوامل سياسية واجتماعية مختلفة [5] .

ولم تكتسب فكرة أزلية النص قداستها وهيمنتها إلا بفعل القهر والقمع السلطوي، والانهيار الحضاري، والتخلف الفكري الذي أصاب العالم الإسلامي، بفعل عوامل التفتت الداخلي، والهجوم الخارجي [6] .

ولم ينهزم المعتزلة بسبب فساد فكرتهم، ومخالفتها للكتاب والسنة وإجماع الأمة على رفضها، وإنما بسبب ممارسة المعتزلة أنفسهم للقمع والقسر في فرض رأيهم مما أكسب ابن حنبل

(1) أركون"السابق"ص 279.

(2) السابق ص 278.

(3) السابق نفسه.

(4) السابق نفسه.

(5) انظر: أركون"تاريخية الفكر"ص 90، 91.

(6) انظر: نصر حامد أبو زيد"النص السلطة الحقيقية"ص 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت