ولقد جهد المبطلون والمغرضون وأعداء الإسلام من المستشرقين، والجهلة من أبناء المسلمين، منذ نزول القرآن، لإثارة الشبهات والشكوك حول القرآن الكريم، وفي تواتره وإجماع الأمة عليه، وفي نشأة القراءات، وفي اختلافها وتعددها، وفي صحتها وتواترها، وغيرها من الشبهات والاتهامات والشكوك والأباطيل. من تلك الشبهات:
ـ قالوا إن هناك تناقضًا بين قول الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [1] وبين أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف. قال الشيخ الزرقاني:"الاختلاف الذي تثبته تلك الأحاديث، غير الاختلاف الذي ينفيه القرآن ( ... ) إن الأحاديث الشريفة تثبت الاختلاف بمعنى التنويع في طرق أداء القرآن والنطق بألفاظه في دائرة محدودة لا تعدو سبعة أحرف، وبشرط التلقي فيها كلها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أما القرآن فينفي الاختلاف بمعنى التناقض والتدافع بين معاني القرآن وتعاليمه" [2] .
ـ قالوا إن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع المنقولة عن الأئمة السبعة. قال ابن الجزري وهو يرد هذه الشبهة:"فكيف يجوز أن يظن ظان أن هؤلاء السبعة المتأخرين قراءة كل واحد منهم أحد الحروف السبعة المنصوص عليها؟ هذا تخلف عظيم أكان ذلك بِنَص من النبي - صلى الله عليه وسلم - أم كيف ذلك؟ وكيف يكون ذلك والكسائي إنما ألحق بالسبعة بالأمس في أيام المأمون وغيره .. [3] ."
ـ قالوا إن نزول القرآن على سبعة أحرف ينافي ما هو مقرر من أن القرآن نزل بلغة قريش وحدها. وهذا يؤدي أيضًا إلى ضياع وحدة الأمة. وهذا مردود لأنه"لا منافاة ولا ضياع للوحدة، فإن الوجوه السبعة التي نزل بها القرآن واقعة كلها في لغة قريش، ذلك أن قريشًا كانوا قبل مهبط الوحي والتنزيل قد داوروا بينهم لغات العرب جميعًا وتداولوها .." [4] .
ـ وهذا د. طه حسين ينكر تواتر القراءات وينعى على من رتب أحكامًا عريضة على نكرانها، لأنه يعتبر أن اختلاف اللهجات بين قبائل العرب هي مصدر اختلاف القراءات [5] .
وحسبي هذه الأمثلة لأن المقام هنا لا يناسب استقصاء وتتبع كل الشبهات والشكوك التي أثيرت حول موضوع القراءات القرآنية.
(1) سورة النساء، الآية 82.
(2) مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني، تحقيق أحمد بن عليّ، طبعة دار الحديث_ القاهرة 1422 هـ / 2001 م، ج 1 / ص 158_ 159.
(3) النشر في القراءات العشر لأبي الخير محمد بن محمد الدمشقي، الشهير بابن الجزري، دار الكتاب العربي، ج 1 / ص 37.
(4) مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني، تحقيق أحمد بن عليّ، طبعة دار الحديث_ القاهرة 1422 هـ / 2001 م، ج 1 / ص 162.
(5) في الأدب العربي لطه حسين، ص 95_96.