الاختلالات الهيكلية في بنية المؤسسات العمومية ما أوجب البحث عن الإصلاح الذي يعيد الثقة ويبعث النمو، وهذا مع بداية الثمانينات بإعادة الهيكلة العضوية التي استهدفت 85 مؤسسة وطنية تم تفتيتها إلى 145 مؤسسة [1] (وهو التغيير المؤسسي الأبرز في هذه الفترة على المستوى الجزئي) إضافة لإعادة الهيكلة المالية (كتغيير مؤسسي على المستوى الكلي تضمن مجموعة من الإجراءات قصيرة الأمد لتحسين الاستقلالية المالية وإدخال معايير المردودية) بغية التكيف مع النظام المالي والمصرفي، فجاء مشروع استقلالية المؤسسة العمومية بموجب القانون 88/ 01،وتجدر الإشارة هنا إلى أن سياسة استقلالية المؤسسات بقيت تتأرجح بين النظرية والتطبيق بفعل اشتداد الضغوط الداخلية والخارجية (الأزمة السياسية والاقتصادية مع الغليان الاجتماعي المرافق لتعاقب الحكومات برؤى متباينة) فيما يتعلق بمسؤولية المؤسسات العمومية تجاه المجتمع في هذه الفترة نحصي تدهورا خطيرا حيث كان من أبرز إفرازات إخفاق المؤسسات (عجزها المالي الذي بلغ 400 مليار دج لفترة 1986 بنسبة 60 بالمئة) [2] أثرا سلبيا على الصعيد الاجتماعي خاصة فيما يتعلق بعدم قابلية المؤسسة العمومية على خلق مناصب شغل لخريجي المعاهد والجامعات وهو أول مسؤولياتها الاجتماعية كونها أداة الدولة لدفع التنمية. كما تجدر الإشارة عند هذا المستوى من التحليل إلى إشكالية النمو الديمغرافي حيث بلغ متوسط النمو خلال المخطط الخماسي الثاني (1985/ 1989) 0.4 % بعيدا عن الهدف المحدد ب 6.2% وهو أقل من معدل النمو السكاني آنذاك 3.2% في دلالة واضحة على التأخر الاقتصادي [3] وهو ما يفرض ثقلا أكبر على صعيد المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات على المستويين الكمي (زيادة عدد السكان تفرض ... أعباء أكثر) والنوعي (زيادة مستويات الطلب على الاستهلاك مع تراجع عرض السلع والخدمات نتيجة تراجع الاستيراد بفعل عجز الخزينة من العملة الصعبة ولد عدة مشاكل اجتماعية فجرت أحداث أكتوبر 1988.
إن الإصلاحات الذاتية التي شملت تغييرات مؤسسية على مستوى المؤسسة الاقتصادية ذاتها وحتى على بيئتها خاصة فيما يتعلق بالإطار التشريعي والتنظيمي لم تكن كفيلة بحل الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت شدتها نتيجة تواصل تراكم الاختلالات واستمرار محدودية مستوى التمويل هذا الأخير الذي وجه الجزائر إلى اللجوء للمؤسسات المالية الدولية لاسيما وأن البرنامج الذي أعدته الحكومة من خلال قوانين الإصلاح يتوافق مع قيود صندوق النقد الدولي، وهكذا زادت التزامات المؤسسات الجزائرية بسلسلة من الإصلاحات
(1) طرطار أحمد، (1993) ، الترشيد الاقتصادي للطاقات الإنتاجية في المؤسسة، الديوان الوطني للمطبوعات الجامعية، الجزائر.
(2) بلمقدم مصطفى وساهل سيدي محمد، (2007) ،لماذا خصخصة المؤسسة العمومية الاقتصادية الجزائرية، مجلة الاقتصاد والمناجمنت، السياسات الاقتصادية واقع وآفاق، جامعة تلمسان، الجزائر، ص 67.
(3) محمد بلقاسم حسن بهلول، (1999) ،سياسة تخطيط التنمية وإعادة تنظيم مسارها في الجزائر، ديوان المطبوعات الجامعية نالجزء الثاني، الجزائر، ص 330