الصفحة 7 من 10

ووردت لفظة (أعلم) تحمل هذه الدلالة في سياقها تحمل دلالة المبالغة قال تعالى: (( قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ ) ) (131) (( أي عالم علمًا بالغًا إلى أقصى المراتب بان الأمر ليس كما تصفون من صدور السرقة منّا بل إنما هو افتراء علينا، فالصيغة لمجرد المبالغة لا لتفضيل علمه عزَّ وجلّ ) ) (132) ؛ لأنه لا يمكن التفاضل بين علم الخالق وعلم المخلوق. فـ (أعلم) هنا بمعنى (عليم) .

ورد فعل الأمر المسند إلى جماعة المخاطبين في سياقه القرآني حاملا هذه الدلالة قال تعالى: (( وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ) ) (133) . فقوله تعالى

(واعلموا أنّ الله مع المتقين) مدح لهم، فالأمر هنا مجازي غرضه المدح.

وردت هذه الدلالة تحملها صيغة المبالغة (عليم) في قوله تعالى (( وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ) ) (134) نزلت هذه الآية في تبشير المتقين بجزيل الثواب تثبيتًا لإيمانهم ولبيان أن مدار الجزاء الحسن هو التقوى (135) . قال أبو السعود في قوله (والله عليم بالمتقين) (( فإن علمه تعالى بأحوالهم يستدعي توفية أجورهم لا محالة، والمراد بالمتقين إما الأمة المعهودة وضع موضع المضمر العائد إليهم مدحا لهم وتعيينًا لعنوان تعلق العلم بهم وإشعارا بمناط إثابتهم وهو التقوى المنطوي على الخصائص السالفة وأما جنس المتقين عمومًا وهم مندرجون تحت حكمه اندراجًا أوليا ) ) (136) .

ورد الفعل المضارع (تعلمون) في سياقه القرآني يحمل دلالة النهي، قال تعالى (( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) (137) فجملة (وانتم تعلمون) حال من ضمير (لا تجعلوا) بصرف التقييد إلى ما أفاده النهي من قبيح المنهي عنه، ووجوب اجتنابه وحاصله تنشيط المخاطبين وحثهم على الإنتهاء عما نهوا عنه هذا هو الذي يستدعيه عموم الخطاب بجعل المنهي عنه القدر المشترك المنتظم لإنشاء الانتهاء وصرف التقييد إلى النهي مستدعيا تخصيص (( الخطاب بالكفرة لا محالة بطريق المبالغة في التوبيخ والتقريع مع تعميم الخطاب للمؤمنين ) ) (138) .

وورد بناء (أعلم) في سياقه القرآني يحمل هذه الدلالة. قال تعالى: (( الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ) ) (139) .

سيقت جملة (هو أعلم بمن اتقى) استئنافًا مقررًا للدلالة على النهي ومشعرًا بأن فيهم من يتقيها بأسرها فنهاهم عن الإعجاب والقول بان صلاتهم وصيامهم حسنة (140) .

إن لفظة (اعلم) بمعنى (عليم) ، وليس إسم تفضيل، إذ لا يمكن التفاضل بين الخالق والمخلوق كما أسلفنا.

تبينت من البحث المقاصد الدلالية السياقية للفظة (علم) وأبنيتها التي ورد منها: الماضي، والمضارع، والأمر، والمصدر، واسم الفاعل، وصيغتا المبالغة: عليم وعلام، وورد الإسم (أعلم) للذات الإلهية، وهو ليس اسم تفضيل في سياقه القرآني وإنما يحمل دلالة المبالغة فهو بمعنى (عليم) ، إذ إنه لا يمكن التفاضل بين الخالق والمخلوق في صفة ما.

لقد اظهر السياق القرآني قدرة تلك الألفاظ على قيامها بعدد من الوظائف الدلالية، حتى أنه لتأتي اللفظة بدلالة في السياق وتأتي بالدلالة المقابلة في سياق آخر، بل قد تحمل اللفظة الدلالة وما يقابلها في السياق نفسه. وفي هذا كله إنزياح عن المعنى المعجمي.

وقد تبين أن للنبر، والتنغيم، والحذف، والتقديم والتأخير، ولحروف المعني أثرًا في تعيين الدلالة السياقية فهي قرائن مقالية أو حالية تعين على ذلك.

إن تنوع الدلالة وتعددها في السياق يدلُ على أن المعاني في الفكر اللغوي أكثر بكثير مما هي عليه الألفاظ. ولو أرتجلت في اللغة ألفاظ جديدة لمعان في فكر واضعيها لوجدت لها معان أخر في سياقاتها اللغوية الآخر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت