المسبوق بـ (لو) ، لتعظيم شأن ما أُقسم به وتأكيد إجلاله في النفوس (17) ومما جاء معترضا للتعظيم الفعل المضارع المسند إلى ضمير لفظ الجلالة في سياقه القرآني (( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ) ) (18) . فالجملة (والله أعلم بما وضعت) جملة معترضة بين جملتين، جيء بها (( تعظيمًا لموضوعها وتجهيلًا لها بقدر ما وهبت لها منه ) ) (19) .
* التأنيس:
ويراد به الطمأنينة (20) ، ومنه قوله تعالى: (( وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ) ) (21) الفعل المضارع (أعلم) المسند إلى ضمير لفظ الجلالة جاء في جملة (والله اعلم بأيمانكم) اعتراضًا؛ تأنيسًا بنكاح الإماء وترك الاستنكاف منه (22) .
والمراد به التقريع والتوبيخ (23) .وردت هذه الدلالة يحملها المصدر (عِلْم) في سياقه القرآني (( ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) ) (24) أي اخبروني عن الله بعلم لا بافتراء إن كنتم صادقين في نسبة ذلك التحريم ,وأنتم ليس لكم علم بذلك من وحي من الله وقد اعترض بجملة (أنبؤني بعلم) على سبيل التقريع والتوبيخ، إذ لم يستندوا في تحريمهم إلا على الكذب البحت والافتراء (25) . وللنبر الواقع في (نبئوني) الذي تعلق به لفظ (العلم) ونغمته الصاعدة اثر في وضوح هذه الدلالة السياقية. وورد الفعل المضارع (تعلمون) المنفي بـ (لا) حاملا هذه الدلالة في سياقه القرآني (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) ) (26) نلاحظ في الآية تلوين الخطاب ففي خطابه - جل شانه - للرسول (ص) تحقيق الحق؛ لأنه الحقيق بالخطاب يقابله خطاب الكفرة، لتبكيتهم (27) ونرى في الأمر الحاصل في بداية خطاب المشركين والتنغيم والنفي الواقع في آخر الآية أثرًا في بيان هذه الدلالة السياقية فقد تضافرت وسائل السياق هذه لإيضاحها ..
5 -التجهيل: والمراد به النسبة إلى الجهل (28) .
وردت هذه الدلالة التي يحملها الفعل المضارع المنفي (لا يعملون) في سياقها القرآني لبيان حال المشركين والمعاندين وتشنيعهم عمّا يصدر عنهم من أعمال وأقوال بغير علم ولا حجة فنسبهم الله تعالى إلى الجهل، لإظهار حقيقة أعمالهم من ذلك قوله: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ ) ) (29) قال البيضاوي (ت 691 هـ) في قوله تعالى: (( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ ) )هو (( رد ومبالغة في تجهيلهم، فإن الجاهل بجهله الجازم على خلاف ما هو الواقع أعظم ضلالة وأتم جهالةً من المتوقف المعترف بجهله ) ) (30) .
وإذا كانت الجملة ذات الفعل المضارع (لا يعلمون) قد أفاد سياقها القرآني هذه الدلالة فإن الاسم (عِلْم) المنفي (بغير) قد أفادها أيضا السياق القرآني في قوله تعالى: (( قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أولاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ) ) (31) . نزلت هذه الآية في العرب الذين كانوا يئدون بناتهم خوفا من الفقر، والذين حرموا ما أحلّ الله لهم، وجعله لهم رزقًا من أنعامهم سفهًا منهم ففعلوا ما فعلوا من ذلك جهلًا منهم بما لهم وعليهم، ونقص عقولهم وقلة فهم بعاجل ضره وآجل مكروهه من عظيم عقاب الله تعالى (32) .
6 -التذكير (33) :
وقد حمل هذه الدلالة الفعل الماضي (عَلِمَ) مسندا إلى ضمير جماعة المخاطبين في سياقه القرآني (( قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ) ) (34) أي اذكروا ما فعلتم بيوسف 35). فالاستفهام هنا مجازي غرضه التذكير.
وردت هذه الدلالة في قوله تعالى: (( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) ) (36) إنه التذكير بآيات الله والترغيب في الخشوع والزجرً عن القساوة (37) . وقد وردت هذه الدلالة يحملها في سياقه القرآني الفعل المضارع (يعلمون) المنفي بـ (لا) في سورة البقرة في قوله تعالى: (( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ