اثر السياق في تحديد دلالة (علم)
في القران الكريم
أ. م. د. صيوان خضير خلف
م. م. عديّ صالح جبار
جامعة البصرة - كلية الاداب
السياق في الاصطلاح (( الأجزاء التي تسبق النص أو تليه مباشرةً ويتحدد من خلالها المعنى المقصود ) ) (1) ويبنى عليه وضوح دلالة الألفاظ وتحديد معناها؛ لان فيه قرائن تعين على ذلك، ولارتباطه بمقام معين يحدد في ضوء القرائن الحالية (2) .
وللسياق اثر كبير في تحديد (( دلالة الكلمة على وجه الدقة وبوساطته تتجاوز كلمات اللغة حدودها الدلالية المعجمية المألوفة لتفرز دلالات جديدة قد تكون مجازية، أو إضافية، أو نفسية، أو إيحائية، أو اجتماعية ) ) (3) .
ولما كان النص القرآني نصًا محكمًا، وكان نظمه الخاص به من أبرز وجوه الإعجاز عند القدماء فقد تنبه علماؤنا القدماء على أهمية السياق فيه؛ للكشف عن أسراره ونكته، لذا قال الزركشي (ت 794 هـ) : (( دلالة السياق ... ترشد إلى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتنوع الدلالة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم ... انظر إلى قوله تعالى: (( ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) ) (4) كيف نجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير )) (5) .
كثر ورود لفظة (علم) في التعبير القرآني، وقد تعددت دلالاتها؛ لتعدد السياقات التي وردت فيها، وحملت المعاني الآتية:
1 -الاستدراج: ونعني به الأخذ شيئًا فشيئًا وعدم المباغتة (6) .
وردت هذه الدلالة في قوله تعالى: (( قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ) ) (7) ،. فقد ورد الفعل المضارع (أعلم) في سياقه القرآني مفيدًا الاستدراج فقوله جل شأنه (( الله أعلم بالظالمين ) ). أفاد (( انتفاء كون أمر العذاب مفوضًا إليه(ص) المستتبع لانتفاء قضاء الأمر وتعليل له والمعنى والله أعلم بحال الظالمين وبأنهم مستحقون للإمهال بطريق الاستدراج لتشديد العذاب ولذلك لم يفوض الأمر إليّ فلم يقض الأمر بتعجيل العذاب )) (8) .
وردت هذه الدلالة يحملها مضارع (عَلِمَ) المضعف العين المسند إلى ضمير (الرب) الوارد في الآية الشريفة (( وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأويلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ) (9) . إن كلَّ ما في الآية يشير إلى طمأنة يوسف (ع) الاجتباء للنبوة في المستقبل وتعليمه ما لا يستطيع الإنسان وتعلمه وتذكيره بسالف آياته وختم الآية بالعليم الحكيم هذان الإسمان اللذان حملا صفة الديمومة والثبات والصدق خطاب موجه على لسان يعقوب إلى ابنه يوسف (عليهما السلام) . قال ذلك حينما عرف دلالة رؤيا يوسف وخاف عليه حسد أخوته. فكان كلامه توطينا لنفس الفتى (عليه وعلى نبينا السلام) (10) .
والاعتراض (( أن يؤتى في أثناء كلام أو كلامين متصلين معنى بشيء يتُّم الغرض الأصليّ بدونه، ولا يفوت بفواته، فيكون فاصلا بين الكلام والكلامين لنكتة ) ) (11) . وله اسباب منها:
* تقرير الكلام (12) ، ومنه قوله تعالى: (( قَالُوا تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ ) ) (13) فقوله: (لقد علمتم) اعتراض؛ المراد به تقرير إثبات البراءة من تهمة السرقة (14) واللفظ الذي جيء به في هذا السياق هو الفعل الماضي (علم) مسندًا إلى جماعة
المخاطبين.
* التعظيم والتأكيد (15) : نحو قوله تعالى: (( وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ) ) (16) ، اعترض بقوله (لو تعلمون) بين الموصوف (قسم) والصفة (عظيم) ، والكلام المعترض الوارد بالفعل المضارع المسند إلى جماعة المخاطبين