الصفحة 9 من 23

وهذا التوثيق المطلق لنص القرآن الكريم الذي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) يقابله توثيق مشوب غالبًا بالخلط والتشكيك في غيره مِن النصوص لاسيما الشعرية منها، (( فنراهم ينسبون البيت إلى أكثر من واحد ولربما وصل العدد إلى ثلاثة أو أربعة، مما يقلل من جدوى الشاهد الشعري في الاحتجاج ويوهي من قوته في الاستدلال النحوي ) ) [1] .

فقضية النحل والانتحال التي أصيب بها الأدب العربي أدت بالشعر إلى ضعف قونه في الاستشهاد، فعند قراءة كتب النحو نجد أن عددًا من الأبيات غير معرّف بقائلها مصدرة بكلمات منها: (وقوله، وقول بعضهم، ومنه، وقال رجل من طيئ أو تميم أو أسد، أو قال راجزًا [2] .... وغيرها؛ وفي أبيات أخرى قد نجد العكس، فيذكر القائل والمناسبة التي قيل فيها البيت أو القصيدة) .

هذه المسائل التي سبق ذكرها جعلت النحاة المتأخرين يعنون بإيراد الشاهد القرآني بصورة لم تختلف كثيرًا عن السابقين.

فابن هشام في كتبه اعتمد على شواهد القرآن لا على الشعر ولا غيره في بناء كثير من الأحكام النحوية وترسيخها [3] ، فقد بلغت مبلغًا لم تبلغه في كتاب آخر بحجمه .... وربما نجد الآية الواحدة يستشهد بها في مواطن كثيرة من الكتاب، ولذا نجد شواهده القرآنية في كتابه: (مغني اللبيب) قد قاربت ثلاثة آلاف شاهد .... والآية يتكرر ذكرها أحيانا في الصفحة الواحدة أكثر من مرة ولأكثر من موطن استشهادًا [4] .

أما ابن عصفور فعلى الرغم من قلة الشواهد القرآنية في مؤلفاته بالنسبة لمن سبقه من النحاة أمثال شيبويه والمبرد وابن السراج ومن جاء من بعده أومن عاصره

(1) الشواهد القرآنية في النحو عند ابن هشام: 17.

(2) ينظر: الضرورة الشعرية: 94.

(3) ينظر: الشواهد القرآنية في النحو عند ابن هشام: 66.

(4) ينظر: المصدر السابق: 33. وللتعرف على نسبة الشاهد القرآني إلى الشاهد الشعري في عدد من كتب النحو، ينظر: ابن مالك النحوي في شرح الكافية الشافية: 159، فقد ذكر هذه النسبة في قسم من كتب النحو ولعصور مختلفة بداءًا بكتاب سيبويه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت