وقد يسهل على الأوربيين أن يحكموا شعبًا متأخرًا كما يسهل ذلك على الإنكليز
في الهند، غير أنه لا يخطرن ببالهم أن يبدلوا مزاجه النفسي، والاختلاف بين مشاعرنا
واحتياجاتنا وبين مشاعر الشرقيين واحتياجاتهم عظيم إلى الغاية؛ فلذا يتعذر تذليله
فجأة. وحضاراتنا المطابقة لاحتياجاتنا لا تلائم احتياجاتهم، فهم لا يفتنون بحياتنا
المفتعلة وهمومنا الدائمة وثوراتنا الكثيرة وحاجاتنا المصنوعة، وبما توجبه من عمل
مستمر ولا بعيش عمالنا الموثقين في عمل صعب والذين لا يعرفون من الحرية غير
اسمها، ومما استمال نظري في أثناء سياحاتي أن شاهدت متعلمي الشرق أقل الناس
افتتانًا بحضارتنا حينما يزورون أوربا، ورأيت الجميع يعدون الشرقي أكثر سعادة
وأكبر شرفًا وأحسن أخلاقًا من الأوربي ما دام بعيدًا منه، والنتيجة الوحيدة التي تنجم
عن تأثير حضارتنا في الشرقيين هو أنها تفسدهم وتجعلهم تعساء.
ولا أسهب في بيان الحقائق التي عرضتها آنفًا، ففي هذا الفصل لا يمكنني سوى
إيجاز أفكار يتطلب تفصيلها مجلدًا كبيرًا، وإني لأرجو أن ينعم الموسيو (لروا بوليو)
النظر في الأمر، فيعترف معنا أن مبدأ حمل شعب متأخر على التفرنس بواسطة تربيتنا
لا يليق بعالم مثله أن يدافع عنه، فلنترك أمثال هذا المبدأ للاشتراكيين المشاغبين، ولا يحق
لأي مفكر في الوقت الحاضر أن يجهل أن نظم الشعب الواحد مرتبط بعضها ببعض
ارتباطًا ضروريٍّا، وأن هذا الشعب لا يقدر على اختيارها حسب ما يريد، بل عليه أن
يعاني أمرها، ومن اللغو أن يبحث عن الحضارة التي هي نظريٍّا أفضل حضارة يتخذها
الشعب، بل يجب البحث عن التي تلائم مزاج هذا الشعب.
وما فتئت منذ عشرين سنة أكرر بيان تلك الحقائق، وقد أخذت تصير معلومة وإن
كان ذلك على مهل، ففي كتاب مهم وضعه السفير) جول هارمان- (وهو من الثقات
المطلعين على أمور الشرق - وسماه «الاستيلاء والاستعمار» جاء ما يأتي:
إن من الأغلاط الكبيرة المشؤومة على الفاتح ورعيته أن لا يعترف بوجود شعوب
ومجتمعات راقية بطبيعة الأمر، وتأثير الأحوال وبوجود شعوب متأخرة، وبأنه
كلما كان الفرق بين الطرفين عظيمًا تعذر التقريب بينهما بقوانين مشتركة
وثقافة واحدة.
ينبغي أن تكون هذه القواعد دليلًا للأوربيين في توسعهم الاستعماري
واستيلائهم على الأمم المختلفة عنهم، فإذا طبقها المستعمرون فابتعدوا من
سياسة الإدغام والتمثيل، واحترموا مزاج الشعوب النفسي وأنظمتها السياسية
والاجتماعية الناشئة عن احتياجاتها المادية والأدبية عاد عليهم وعلى رعاياهم
خير عميم.
ولا يزال ساستنا بعيدين من تلك الأفكار، فلا يكل رجال إدارتنا في البلدان المتأخرة
التي يحكمونها من ترجمة» بيان حقوق الإنسان «وإعلانه فيها، ليجعلوا أبناءها يقدرون
نِعَم أناظيمنا، وبهذه النفسية الصبيانية نقف على عجزنا في مادة الاستعمار.
يضاف إلى سياسة الإدغام الإلزامي التي نتخذها طرقٌ استبدادية شديدة نلجأ إليها في
مستعمراتنا القاصية، وبهذه الطرق نجعل الإقامة فيها أمرًا لا يطيقه الأوربيون، ففيها
يظن أصغر موظفينا أنه حاكم مطلق، فيسير كأنه من ملوك آسيا المستبدين.
وإليك ما جاء في رسالة أرسلها أحد السياح في (الكويان) إلى جريدة (الماتن) ،
فنشرتها في عددها الصادر في 29 مارس سنة 1910:
لا يلبث كبار موظفينا الذين يرسلون من فرنسا أن يصيبهم هوس
الاستبداد المطلق، فينشرون مراسيم طائشة ويقبضون على الناس ويسجنونهم
ويطردونهم من البلاد حسب أهوائهم، وهم بذلك يهولون السكان فيدفعونهم
إلى التحفز والاستيفاز، ومتى يطفح الكيل تستدع حكومة فرنسا أولئك
الموظفين لتعينهم لمناصب في أمكنة أخرى.
وأما الكولون - أي المستعمر - فلا شيء يوجب طمأنينته، إذ هو يعامل
معاملة جورية في أموره التجارية، فالحكام بتفسيرهم تعريفة الجمارك تفسيرًا
متحولًا يهلكون بطرس في سبيل بولس، ولا ضمان لأي مشروع يقام هنالك،