فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 145

الفصل الرابع

الاضطهاد الديني

الأحقاد الدينية أحد العوامل في انتشار الفوضى الاجتماعية في فرنسا، والحكومة لما أغراها

أناس متعصبون كثيرو الشغب والضجيج دخلت في طور الاضطهادات الدينية دخولًا

موجبًا للغم والحزن، وقد دلت بذلك على جهلها علم النفس والتاريخ جهلًا تامٍّا.

تجلت الاضطهادات الدينية على الخصوص في فصل الكنيسة عن الدولة وفي قانون

نزع أموال المحافل الدينية، والحقد يعمي القلوب على الدوام، فيظهر أن عمى البصائر

كان شديدًا حتى سن قانون الفصل الذي لم يقصد به سوى تجريد رجال الإكليروس

عن رواتب متوسطة يعيشون منها.

لا شيء أشد خطرًا على النظام الجمهوري من ذلك القانون، وقد أخطأ رجال

الإكليروس في توجعهم منه بعد أن أطلق قيودهم وفتح لهم بابًا لنيل سلطة لم يسلم بها

أشد ملوكنا كثلكة، وهل يتصور الإنسان قانونًا طائشًا أكثر من قانون يحرر الإكليروس

من السلطة الزمنية ويترك البابا يعين الأساقفة الذين كانت الحكومة تختارهم فتجعلهم

في قبضتها؟

وكذلك لا شيء أخرق من اضطهاد رجال الإكليروس وطردهم من بيوتهم وحرمانهم

وسائل عيشهم، وقد دل ساسة ألمانيا على سعة نظرهم بحمايتهم رجال الدين في الإلزاس

واحترامهم وزيادة رواتبهم تمهيدًا لافتتاح هذا البلد من الوجهة الأدبية.

وقد كان على الحكومة أن تأتي بقليل من الجهود لتكسب قلوب رجال الإكليروس

وتجعلهم من أنصار الجمهورية، فرجال الإكليروس ليس لهم مبدأ سياسييدافعون عنه،

ولكن ماذا نفعل بالتعصب الذي أغشى على أبصارنا فجعلنا نقرر ما يباين أكثر منافعنا

وضوحًا جاهلين أن القوى الأدبية لا تقاتل بالعنف والقسر.

وليست القوانين القائلة بنزع أموال المحافل الدينية طائشة فقط بل هي تنم على

ظلم وحشي، وتدل على عجز عن فهم بعض قواعد الإنصاف، وقد أثبتت درجة ما توجبه

القوانين المفسدة للأخلاق من فساد في أخلاق الذين يطبقونها.

نعلم، إن الباعث على سن تلك القوانين هو حب القبض على مليار فرنك كان يظن

أنه يعود على المحافل الدينية ثم توزيع قسم منه على العمال كرواتب تقاعد طمعًا في

أصواتهم أيام الانتخابات، وقد كانت نتيجة ذلك أن المليار غاب عن الأبصار وزاد العمال

حقدًا على المجتمع، إذ لم تسفر تصفية أموال المحافل الدينية عن غير اثني عشر مليونًا

من الفرنكات، وقد زاد الأمر ضررًا نزع المعاهد والمؤسسات التي كانت المحافل الدينية

تقوم بها من يد هذه المحافل وتحميل الدولة واجب الإنفاق عليها من بيت المال.

والأشخاص الذين استفادوا من تطبيق القوانين المذكورة هم مأمورو التصفية

والمضاربون، فلقد اغتنى هؤلاء حتى اضطر واضع تلك القوانين الموسيو (كومب) إلى

الاعتراف بأن تنفيذها أمر لصوصي.

وقد عرض الموسيو) ويجيسمانسه(تقريرًا على مجلس الشيوخ فدعمه بأرقام

موجبة للحزن، إذ ذكر أن بعض المحاكم منحت مأموري التصفية مئة ألف فرنك أجرة

على تصفية ستمئة ألف فرنك، وأن أحد مأموري التصفية نال عشرة آلاف فرنك أجرة

على تصفية 25000 فرنك، وأن مأمورًا آخر مُنِحَ في)نيس (16000 فرنك دون أن يقوم

بعمل، وهلم جرٍّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت