فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 145

الباب السادس

تطور الفوضى ومصارعة الانحلال

الاجتماعي

الفصل الأول

الفوضى الاجتماعية

لم يكن القنصل (مارسيوس سنسورينوس) سلميٍّا قائلًا بالمذهب الإنساني، بل كان

ممن يعلمون نفسية الأعداء، فلما دنا من أبواب قرطاجة كانت أغنى مدن العالم القديم

وأكثرها نضارة في الفنون والتجارة ومحبي السلم، وبعد أن امتدح (سنسورينوس)

لهؤلاء فوائد السلم، ولعن فظائع الحرب قال لهم مستنتجًا»:ألقوا سلاحكم وسلموها

إلي، فستأخذ روما على عاتقها أمر حمايتكم «. فأجابوه إلى طلبه، ثم قال لهم» :سلموني

سفنكم الحربية، فهي كثيرة عظيمة النفقة لا فائدة منها بعد أن تعهدت روما بالدفاع

عنكم ضد أعدائكم «. ففعل المسالمون ما أشار به عليهم، وحينئذ قال لهم» : تحمدون

على خضوعكم، ولم يبقَ عليَّ إلا أن أطلب إليكم أن تقوموا بتضحية أخرى وهي أن روما -

دفعًا لكل عصيان - أمرتني بأن أهدم قرطاجة، فهي تسمح لكم بالإقامة في أي مكان

تختارونه في الصحراء على أن يبعد ثمانين درجة من البحر «. هنالك أدرك القرطاجيون

أخطار المذهب السلمي، وقد حاولوا عبثًا أن يدافعوا عن أنفسهم، فقرطاجة حُرِقت مع

مَن فيها من السكان وغابت عن التاريخ.

تشتمل تلك القصة على كثير من العبر، وأظن أنها خطرت على بال رئيس وزرائنا

بعد اعتصاب موظفي البريد، أحدثت عندي هذا الظن خطبتُه التي ألقاها أمام تمثال

(غامبتا) ، فقد جاء فيها: «أنه لا حق لغير الأقوياء، وليس المستقبل لغير ذوي الجرأة

والإقدام، وكل مجتمع يحابي عصاة الموظفين جدير بازدراء الناس أجمعين، فقمع

عصيانهم ضرورة تمليها سلامة الأمة.»

ومن حسن الحظ أن هذه اللهجة تناقض لهجة ركن آخر لم يرَ لمعالجة تمرد

الموظفين ووعيد العمال واعتصابهم وهدمهم سوى الصيغ المبهمة الآتية، وهي: «إنه يجب

أن يحسب لما وقع حسابه، وأن يكون الرجل ابن وقته وأن يعتمد على طبقة العمال»،

وقد ختم كلامه بمناشدته أولياء الأمور الذين وصفهم بالسعداء بأن يعاملوا العمال

والموظفين بكرم وسخاء، وهذه اللهجة هي من مظاهر الفلسفة الحديثة القائلة بحب

الإنسانية والتي هي أجدر بأن تسمى - حسب تعبير جورج صوريل - «فلسفة الجبن

والنفاق.»

ولا نجهل جواب العمال والموظفين عن هذا الكلام، فكلما شعروا بخوف أصحاب

الأمر منهم أمعنوا في ازدرائهم وتهديدهم، وهم لا يأتون عند أقل مقاومة يبديها أولو

الأمر سوى الاعتصاب والتخريب والحرق، ومن دواعي الأسف أن الخوف هو المستولي

على رجال الحكومة، والخوف هو الذي كسر الجيوش وهيأ الثورات كما هو معلوم.

وكلمات رئيس الوزراء السابق الصائبة تؤثر تأثيرًا كبيرًا لو قالها أيام اعتصاب

موظفي البريد لأبعده، فالدفاع آنئذ كان سهلًا، ولم يؤدِّ الإذعان لهؤلاء المتمردين إلى غير

جعلهم يشعرون بقوتهم ويحتقرون رجال الحكومة، فالجماعات كما قال) ماكيافيلي (

لا تكون شاكرة لمن تأخذ منه شيئًا بالقوة.

لم ينظر إلى قول (ماكيافيلي) بعين الاعتبار لقدمه، وقد اختير سبيل الإذعان في

بداءة الأمر، فسرعان ما نشرت الجريدة الرسمية زيادة رواتب موظفي البريد، ولكن لما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت