الفصل الثاني
مساوئ القوانين
نرى البحث في نتائج بعض القوانين التي نجمت عن أهواء المشترعين يثبت بياننا في
الفصل السابق.
جاء في كتب الأقاصيص أن (سرخس) ساط البحر عقابًا له على تدمير سفنه
وتحذيرًا له من العودة إلى مثل ذلك مرة أخرى، ومع أن أبناء زماننا يعدون أفكار هذا
الملك الشهير صبيانية، فهي عندي غير بعيدة من أفكار مشترعي الوقت الحاضر الذين
يزعمون أنهم قادرون على تبديل عوامل النشوء في المجتمعات كما يشاؤون، أقول ذلك
لأنني أرى هذه العوامل ثابتة ثبات نواميس النشوء الجثماني، وهي وإن خفت علينا
في أغلب الأحيان نكره على معاناتها معاناة مطردة، ومن العبث أن نحاول مقاومتها
بقوانين يدل وضعها على جهلنا حقائق الأمور.
والمستقبل وحده هو الذي سيثبت لنا مقدار ما في مساعي الاشتراكيين الثوريين
والمشترعين في تجديد المجتمع من أخطار، فأوهام مثل هذه لا تفقد سلطانها إلا يوم تظهر
نتائجها، فلقد تطلب إثبات أخطار النظام الإمبراطوري المطلق قهرنا في معركة كمعركة
(سيدان) ، وكذلك مهالك الاشتراكية المطلقة لا تبدو للعيون إلا بمثل هذه التجربة.
عندما بحثنا في الأوهام الاشتراعية بينا مقومات الحقوق العامة، وكيفية تكوين القوانين
بيانًا موجزًا، فأثبتنا كيف تنشأ القوانين عن العادة وكيف تتحول تحولًا تدريجيٍّا بفعل
القضاء حسب الاحتياج، وقد بدا لنا حينئذ أن القانون عنوان مؤقت لحقوق تتجدد بلا
انقطاع، فالحياة الاجتماعية - خلافًا لما يتصوره الاشتراكيون أرباب العلوم النظرية
-لا ينتظم أمرها بمراسيم يقترحها الخياليون، بل بتأثير مقتضيات الاقتصاد وأخلاق
الشعوب.
نعم قد يحتج أرباب هذه العلوم علينا بقولهم إن كثيرًا من القوانين - منذ عصر
(صولون) حتى أيام (نابليون) - خرجت بغتةً من دماغ مشترع واحد، ولكن لو أنعمنا
النظر في القوانين المذكورة - كقانون نابليون مثلًا - لظهر لنا أنها بالعكس كناية
عن التوفيق والجمع بين عادات أثبت الاستعمال أمرها، فالقوانين التي يقال إنها حديثة
لا تفعل بالحقيقة سوى تأييدها عادات وُجِدَتْ مقدمًا، وهي لا تأتي بشيء جديد عندما
تقضي الضرورة بإلزام أقاليم مفترقة ذات حقوق خاصة قوانين عامة، ذلك ما وقع
لفرنسا في أواخر القرن الثامن عشر ولألمانيا وسويسرة في السنين الأخيرة، فهذه الممالك
الكبيرة أفرغت في قالب واحد ما تعدد من قوانين الأقاليم التي كانت متباينة في البداءة،
فتقاربت بعد ذلك ثم وحدت بينها المصالح المشتركة في نهاية الأمر.
ويظهر أن أصحاب العلوم النظرية انتحلوا لأنفسهم منذ أخذت الاشتراكية الثورية
في الانتشار مبدأ حقوقيٍّا يختلف عمَّا ذكرناه، فعندهم أن القوانين تقدر على تجديد
المجتمع. وهم يعزون إليها ما كان الناس يعزونه إلى الآلهة من قدرة خارقة للعادة.
ولا يدافع عن مثل هذا المعتَقَد إلا في زمن كالذي كان علماء اللاهوت يقولون فيه
إن الآلهة ذات التأثير المتصل في أمور البشر تبدي أوامرها بواسطة الملوك، واليوم لا يبالي
المذهب الاشتراكي بسنن الكون، فرسل هذا الإيمان الجديد يجهلون مقتضيات الاجتماع
كما جهل قساوسة الآلهة القديمة.
ونحن خلافًا لتلك المذاهب الوهمية نرى أهم الحوادث التاريخية صدرت عن علل
بعيدة صغيرة مرتبط بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا، فمن تَجَمُّعِ العلل الصغيرة تخرج
أكبر النتائج، وهذه العوامل المعدودة بالألوف والخافية لصغرها تتجه نحو جهة واحدة
حسب نواميس دقيقة كالتي تجعل أحد الأجرام يسير على خط معين، أو كالتي تتحول
بها ثمرة البلوط إلى سنديانة، وبعد أن يقع انتحاء العوامل الصغيرة اليومية على هذا
الوجه تتولد منها مجارٍ ضعيفة سهل تحويلها في بدء الأمر صعب اعتراضها عندما تزيد