فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 145

قوتها في آخره، وحينئذٍ تنكسر الحواجز الاجتماعية، وينقلب تطور الشعب إلى ثورة.

وشأن العقل في جميع الانقلابات التي حدثت ببطء هو كما بَيَّنَّا ضعيف إلى الغاية،

وقد اطلع على ذلك قادة التاريخ الحقيقيون - وأعني بهم مؤسسي الديانات العظيمة

والدول الكبيرة - فلم يسعوا في التأثير في عقول البشر، بل في نفوذ مشاعرهم وكسب

قلوبهم، بيد أن دور البطولة المذكور أوشك أن يغيب عن الوجود، فطور العلم والصناعة

الذي دخل الناس فيه يوجب حلول شرائع مقتضيات الاقتصاد محل الشرائع الدينية

التي أصبحت عاجزة.

وينبغي أن لا يبعث المبدأ القديم القائل إن الشعوب تسير حسب أهواء الآلهة على

شكل اشتراكي، فأكبر وهم استحوذ على رجال الإصلاح هو تصورهم أن للقوانين ما

لم نعترف به الآن للآلهة من قدرة سحرية، وقد أعماهم خيالهم في تجديد المجتمع عن

رؤية مقتضيات الطبيعة، ولكن إذا كانت الآلهة القديمة ترى لنا عذرًا في ضعنا فترحمنا،

تقسو سنن الطبيعة علينا ولا تعفو عنا، والخطر كله في مقاومتها بمراسيم موضوعة

ليس لها بالحقيقة تأثير أكثر من تأثير الخطب في وقف القاطرة.

ذلك هو العمل الذي نحمل أنفسنا على إتمامه بقوانين يضعها كل يوم مشترعون

غافلون، والتجربة وحدها هي التي تؤثر في أولي النفوس المتهوسة، وها هي التجارب

تتكاثر فنشاهد نتائج ما نكدسه من النظم والتدابير لمعالجة نقائص المجتمع، ونرى هذه

التدابير لم تفعل سوى زيادة الأمراض التي نود الشفاء منها لسعيها في إعاقة جريان

الأمور الطبيعي.

يتطلب عد تلك القوانين المضرة وبيان انعكاسها مجلدًا كبيرًا؛ فلذا أقتصر على ذكر

بعضها بإيجاز يلائم هذا الكتاب، ولا أبحث هنا في مقاصد المشترعين التي لا ريب في

حسنها بل في نتائج أعمالهم: قوانين جوائز البحرية التجارية - تكلف هذه القوانين

بيت المال واحدًا وأربعين مليون فرنك كل سنة، غير أنها تعجل انحطاط بحريتنا وتروج

الشركات الألمانية، وإني أنقل التفصيل الآتي من كتاب حديث نشره (جول هوره) وبحث

فيه عن ألمانيا، والتفصيل المذكور كناية عن حديث وقع بين المؤلف وبين الموسيو (بلاته)

مدير شركة (نوردوشر لويد) التي هي واحدة من الشركات الثلاث المعدودة أكبر شركات

العالم، قال (جول هوره) :

سألت الموسيو) بلاته: (كيف توضحون لي سبب توقفنا وتقدمكم، فأنتم ذوو

اطلاع على نجاح المرافئ الألمانية الخارق للعادة؟ علة ذلك نظام الجوائز

المالية التي تمدون بها ملاحتكم، فهذا النظام يؤدي إلى وقف العمل وعدم

المثابرة عليه، والمضحك فيه جعله الألمان والإنكليز يستفيدون من الدراهم التي

توزعونها بمقتضاه، وليس عليَّ أن أصرح بذلك؛ لأن أبناء وطني ينتفعون من

زلاتكم، ولكن بما أنكم تسألونني رأيي أقوله لكم بصدق وأمانة.

ثم قال الموسيو (بلاته) : «تعلمون أن الحكومة الفرنسوية تدفع جوائز إلى أصحاب

البواخر حسب المسافة التي تقطعها، وإن كانت غير مشحونة، ومعنى ذلك أنها تطوف

حول الأرض على حساب الميزانية الفرنسوية.»

وقد ذكر الموسيو (بلاته) أن بواخر إفرنسية ترفض الشحن طمعًا في اكتساب

الوقت؛ لأنها ترى الغدو والرواح فارغة أفيد لها من أن تكون مشحونة، وعندما أشار

الموسيو (هوره) إلى أن يد التعديل أصابت قانون الجوائز، بين له الموسيو (بلاته) أنه

لم يقع بالحقيقة أي تبديل، إذ يكفي لنيل الجائزة حسب ذلك التعديل أن يوسق ربع

السفينة.

ومما ألمع إليه الموسيو (بلاته) أن بعض الألمان طلبوا جوائز للمساواة بينهم وبين

من ينالون جوائز في فرنسا، فرفض مديرو الشركات الكبيرة ذلك» لأنهم يعدون الجوائز

قضاءً على ملكة الاستنباط والنشاط في ألمانيا وإنذارًا بزوال بحريتها. «

قانون سنة 1900 الذي يحدد عمل الصبيان في المصانع - نتائج هذا القانون

هي: تناقص التخرج في الصناعات وإحداث أزمة خطرة فيها، وتضاعف الجنايات التي

يرتكبها الصبيان، وقد ذكر الموسيو (طورون) أحد أعضاء مجلس الشيوخ تلك النتائج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت