فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 145

الفصل الثالث

مزاج العمال النفسي

لا أنكر نفع المباحث الجديدة في علم النفس، وإني أقول بفائدة التدقيق في صفحة محبة

الغير في الضفادع وضعف المشاعر الزوجية في العناكب، غير أنني كثيرًا ما أرى علماء

النفس يأتون بخدم أكبر من تلك لو كانوا ينكبون على البحث في الحوادث اليومية للحياة

الاجتماعية وفي تعيين عللها، فلربما توصلوا إلى معرفة نواميس اجتماعية مهمة.

وقد كثر عدد المواضيع التي تستدعي الالتفات والملاحظة، وإذا كانت تورث في

الغالب عجبًا كبيرًا؛ فلأن علم النفس الحديث لم يعيِّن سننها بعد.

وقع في (درافي) وغيرها عصيان كبير، وهو من نوع الحركات الشعبية المفاجئة

التي يستغربها الناس لجهلهم ما نشأت عنه من النواميس النفسية، وقد أمر به رؤساء

جمعية اتحاد العمال فأكره الجنود للدفاع عن أنفسهم أمام القتل، ومما أدى إليه هو

انضمام أكثر نقابات العمال إلى تلك الجمعية، واعتصاب عمال المطابع ليحولوا دون

إصدار الجرائد، واعتصاب الكهربائيين الذي حرم باريس النور ليلة واحدة.

تظل مثل هذه الحادثات خافية على من لم يدرس روح الشعب، والوسائل التي

يقترحها المتعلمون لمنع وقوعها مرة أخرى تثبت لنا درجة عدم إطلاعهم على روح

الجماعات.

إن حادثة (درافي) من الحوادث البارزة التي يكون الحق فيها في جانب دون الآخر،

فهي كناية عن تمرد على القوانين وهجوم عنيف على كتائب فوض إليها أمر حماية

الأملاك الشخصية، وقد كان إطفاؤها ضروريٍّا، ولا سلطة سياسية تقدر على الإغضاء

عن مثلها غير أن سير الحكومة الصائب إزاءها كان موضعًا للوم جميع طبقة العمال،

ولماذا؟

قبل أن نجيب عن ذلك نقول مكررين إن الجماعات تخضع لأحكام محرضات لا

تلائم العقل، فالمناقشة في عقم هذه المحرضات لا تجدي نفعًا، وإنما الذي نرى البحث

فيه هو ما توجبه من التأثير في النفوس.

ولكي ندرك تأثير تلك المحرضات لنتذكر ما للأوهام من السلطان على روح الشعب،

فإنكار هذا السلطان جهل للتاريخ، وفي سلسلة الحوادث التي يخبرنا التاريخ عن سيرها

نرى شأن العقل ضئيلًا، وشأن الخيال كبيرًا على الدوام، فقد هلك ملايين من الرجال في

سبيل الأوهام، وبالأوهام تأسست أقوى الدول، ولا يزال شأن الأوهام كما كان في الماضي،

فهي تسحر الجماعات اليوم كما سحرتهم في غضون التاريخ.

للبحث في أفكار العمال يجب أن نتذكر الأوصاف العامة للجماعة أولًا، ثم الأفكار المسيرة

للعمال والناظمة لحركتهم ثانيًا.

ليست الجماعة بحكم الضرورة عبارة عن أشخاص مجتمعين في مكان واحد، فقد

يمكن تلقين أناس بعيد بعضهم من بعض بواسطة الصحافة والبرقيات حتى يتصفوا

بصفات الجماعة، أي بسرعة الانفعال والتقلب والصولة وسرعة التصديق وفقدان ملكة

الانتقاد وعدم التعقل وزيادة التقديس والاحتياج إلى سيد مطاع، وتصدر حركات الجماعة

الشديدة عن تحريض بعض الزعماء خاصة، وهي اليوم كما في الماضي مستعدة للسجود

أمام جميع المستبدين، قال (تارد) : «تتشابه الجماعات بالأوصاف الآتية: عدم التسامح

الشديد والزهو الغريب والانفعال الكبير وعدم تحمل التبعة الناشئ عن وهمها بقدرتها

العظيمة وعن عدم رويتها، ولا وسط عندها بين اللعن والعبادة وبين الخوف والحماسة

وبين الرفع والخفض.»

وتتجلى هذه الصفات النفسية في جميع الحركات الشعبية التي وقعت حديثًا، ولا

سيَّما في حركة (درافي) ، فلقد هجم العمال فيها على كتيبة الجيش كما أمرهم عدد من

الزعماء فقابلهم الجنود، وأوجبت هذه المقابلة سخط طبقة العمال التي ظنت - ككل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت