فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 145

الباب الثاني

العوامل الفكرية في عالم السياسة

الفصل الأول

مصدر القوانين والأوهام الاشتراعية

ينم كثير من الحوادث السياسية على تفتح عدد قليل من المبادئ التي تأصلت في النفوس،

واعتقاد سلطان القوانين المطلق هو من أشد هذه المبادئ تأثيرًا.

وفي فرنسا جمهور كبير من الناس يزعم أنه تخلص من ربقة كل معتقد ديني،

وأنه يجحد الآلهة ويستهزئ بالخرافات والأساطير ولا يخشى غير نبوآت المنومين تنويمًا

مغنطيسيٍّا أو تأثير العدد الثالث عشر، غير أنه لاشيء أصعب في فرنسا - التي قيل إنها

بلاد حرية الفكر - من مصادفة أناس يشكون ولو قليلًا في قدرة الدساتير والقوانين،

فكل فيها يعتقد أن النصوص الاشتراعية قادرة على إصلاح حال الشعب الاجتماعية،

وأنها تستطيع إغناء الفقير على حساب الغني والمساواة بين الناس في معايشهم ونشر

ألوية السعادة في العالم.

إن المذهب القائل بسلطان القوانين هو المذهب الوحيد الذي يقدسه أصحاب العلوم

النظرية على وجه التقريب، فلو دققنا في حقائق الأمور لرأينا جميع أحزابنا مُجمِعة على

عدِّه مثالها الأعلى، فكل منها يسعى وراء إصلاح المجتمع بقوة النظم والمراسيم، ويلح

على الحكومة في التدخل في حياة الأفراد الاجتماعية، ولا أحد يعلم إذا ساقته المصادفة إلى

الاجتماع بفرنسي أن هذا الفرنسي متدين أم غير متدين، وإنما يحق له أن يعتبره حكوميٍّا

على كل حال.

واعتقاد تأثير القوانين المطلق من أعظم العوامل في تاريخنا، فقد كان رجال الثورة

الفرنسوية مقتنعين بأن المجتمع يتم إصلاحه بقوة الأنظمة، وما لبثوا أن ألهوا العقل

الذي كانت المراسيم تعلن باسمه.

وهنالك أسباب كثيرة جعلت الأمم ذات الأفكار الدينية النامية تبحث عن الوسائل

التي تعالج بها أمراضها الاجتماعية، ومنها أن هذه الأمم لما أيقنت أن مطالبة الرب

روح السياسة

بالمعجزات لا تجدي نفعًا أخذت تطالب بها المشترعين، فأحلت بذلك قدرة القوانين محل

قدرة الآلهة.

والفشل الذي أصاب القوانين التي سُنَّت بمؤتمر شعبي لم يضعضع إيمان الناس

بقدرتها، فقد حافظت على نفوذها الذي ضارعت به مذاهب الأديان، وهي كالآلهة تأمر

دون أن تفسر ما تأمر به، والأمر يفقد حرمته إذا فُسِّر كما هو معلوم.

والقول إن القوانين تصلح المجتمع هو - كما بيَّنت آنفا - من أعظم الأغلاط التي

سجلها التاريخ، فقد مات في سبيله عدة ملايين من البشر ميتة بؤس وشقاء، ونالت

يد التخريب كثيرًا من المدن الزاهرة، وغابت عن الوجود دول عظيمة، ومع ذلك يحافظ

الوهم المذكور على سلطانه أكثر منه في أي وقت.

وقد سعى بعض الفلاسفة في إثبات خطل ذلك، وما آلوت جهدًا في كشف القناع عن

حقيقة الأمر في كثير من مؤلفاتي، ولا سيما في كتاب» سر تطور الأمم «، ولكن ماذا تفعل

الكتب في جموع متقلبة لا تلقي سمعها إلى غير زعمائها المشاغبين المداهنين؟

يعتقد المشترع قدرة القوانين الخارقة فتراه يشترع لمعالجة ما خفيت عليه علله من

الأمراض الاجتماعية الظاهرة، هو يشترع ويسرف في الاشتراع كلما رأى القوانين التي

وضعها غير شافية أو أتت بنتائج مخالفة للمقصود، ثم يشترع فيشتد هيجانه فيستوضح

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت