الوزراء، ويعين لجانًا لتراقب تطبيق المراسيم، ويتدخل في أدق أمور الإدارة بلا ملل،
وهكذا يسير نظامنا النيابي نحو نظام يذكرنا بنظام دور العهد، ويثبت لنا أن الأمم
اللاتينية لا تتحرر من استبداد إلا لتدخلَ في ربقة استبداد آخر، وأن حكم الجماعات
المطلق فيها يحل بالتدريج محل حكم الأفراد.
ومن يطالع تاريخنا يجده مفعمًا بنتائج مخربة نشأت عن قوانين لم يقصد
المشترعون بوضعها سوى النفع العام، فلقد ظنت حكومة الجمهورية في 1848 أنها
أحسنت صنعًا عندما سنت قوانين للعمال، وأنشأت مصانع وطنية يكسب منها أبناء
البلاد العاطلين عيشهم، ولكن حينما أكرهتها مقتضيات الاقتصاد المهيمنة على إغلاق
تلك المصانع نشبت ثورة دامية أدت إلى قتل كثير من النفوس، ومن نتائج ذلك أيضًا
إعادة النظام الإمبراطوري، ومن المصائب التي جرها هذا النظام انكسارنا في (سيدان)
وغزو الأجنبي بلادنا.
وما أشأم فصيلة محبي الإنسانية! فبتأثيرهم تسن القوانين الخطرة في الغالب،
والتدابير الاشتراعية التي أدت إلى نتائج منافية لما قصده المشترعون لا تحصى، فمنها
قوانين جوائز الملاحة التي أوجبت انحطاط أسطولنا التجاري كما سيأتي بيانه، وبفعل
المبدأ الذي نعزو به إلى القوانين قدرة مطلقة نرى أن نطبق أنظمتنا الخاصة على جميع
الأمم التي دخلت في ذمتنا غافلين عن أن هذا النهج سوف يقضي على حياة مستعمراتنا
قضاءً مبرمًا.
واعتقاد اللاتين قدرة المراسيم على تحويل الأمور يسوق المشترعين - بضغط من
الشعب ذي العزائم المتقلبة - إلى سن قوانين ثقيلة الوطأة غير مبالين بما فيها من
ظلم وإجحاف. فبعد أن تراءى لصنوف العمال مال اليسوعيين الذي قُدِّر بمليار فرنك
اضطر البرلمان إزاء عجيج الغوغاء إلى وضع قانون للاستيلاء على هذا المليار، وقد
أوجد المشترعون بهذا العمل الوحشي ذي الحيف الفاضح سابقة مروعة في البلاد، فلتلق
مصادفات الانتخاب مقاليد الأمور إلى الاشتراكيين الثوريين في أحد الأيام لنرى كيف
تعلموا من تلك السابقة نزع أموال بعض طبقات الأمة في سبيل البعض الآخر، متعللين
بمبدأ قدرة الحكومة المطلق أي مبدأ حق الأقوى.
ولم يتخلص مجتمعنا ولو قليلًا من الفوضى التي أوجبتها مراسيم مشترعينا إلا
لتعذر تطبيقها في كل وقت، فكل قانون يستلزم إيجاد جحفل من الموظفين؛ ليقوموا
بتنفيذه ثم إنفاق رواتب وافرة على هؤلاء الموظفين، ولقد ترددت الحكومة في تكوين
جيش مؤلف من خمس مئة ألف مفتش للمحافظة على قوانين العمل، فأنقذت هذه
الاستحالة العددية وحدها صناعتنا من الانحطاط الكبير الذي يؤدي إليه تدخل الموظفين
في أمور المصانع.
ومن جهة أخرى نرى الحكومة نفسها تعدل عن قوانين يتعذر تطبيقها لخرق
جميع الناس حرمتها؛ ولأن الجرم إذا عم ينقلب إلى حق. على هذا الوجه حبطت المراسيم
التي وضعت لعرقلة المضاربات المالية والشركات المغفلة (آنونيم) وسائر العقود الناشئة
عن التحول الاقتصادي الحديث.
نستنبط من الملاحظات السابقة أن الإصلاحات يجب أن لا تسن من قبل المجالس
الاشتراعية، وأنه يجب على أولي الأمر أن يظلوا مكتوفي الأيدي إزاء جريان الأمور، نعم
إن بقاء مشترعي سنة 1848 مكتوفي الأيدي كان أفيد من وضعهم قوانين مضرة كما
وصفنا، إلا أن هذه النتيجة لا تطبق على جميع الأحوال، فهنالك قوانين كثيرة النفع إذا
صدرت عن ضرورات مهيمنة مستقلة عن إرادة المشترعين.
ومن يود أن يعرف ماذا يجب عمله وما لا يجب عمله في أمر القوانين، فليبحث عن
كيفية تكوينها، ولنيل هذه الغاية نشير قبل كل شيء إلى أن الأمة لا تقدر على الانتفاع
بدساتير أمة أخرى وقوانينها إذا تباينت أفكار الأمتين ولو كانت تلك الدساتير والقوانين
غاية في الكمال، وعلى ذلك أرى الفقهاء بمحاولتهم إقناع الناس بأن بعض البلاد اقتبست
من الرومان حقوقهم، وبأن بلادًا أخرى اقتبست من الإنكليز دستورهم، يدلون على قصر
باعهم في علم النفس، وإذا حدث أن أمة - كالأمة الألمانية مثلًا - اعتنقت الحقوق