الرومانية لا تلبث هذه الحقوق أن تصبح مختصة بتلك الأمة، وعلى رغم اتخاذ كثير من
الشعوب قانون الإنكليز الأساسي دستورًا لها لا نتذكر أن أحدها استطاع أن يطبق ذلك
الدستور.
تكوين أحد الحقوق لا يتم إلا إذا اجتاز ثلاث مراحل؛ وهي العادة والقضاء والقانون،
ولا تكون مداخلة المشترع مفيدة إلا في المرحلة الثالثة أعني مرحلة القانون، وفي الغالب
يقتصر القانون على جميع العادات وإفراغها في قالب المواد، وبهذا يتجلى شأنه الحقيقي،
فلو دققنا في قانوننا المدني - وقد زعم الكثيرون أنه من مبتكرات مجلس الفقهاء الذي
كان يرأسه نابليون - لرأيناه عبارة عن عادات فرنسوية جُمعت على شكل قانون، وأنه
الطور الأخير لانتحاء بلادنا نحو الوحدة القضائية؛ أي أنه ليس بالحقيقة قانون الحال
بل قانون الماضي.
والعادة تنشأ عن مقتضيات الاجتماع اليومية صناعية كانت أم اقتصادية، والقضاء
يعينها والقانون يؤيدها، وما يؤيده القانون فهو طور الحال الاجتماعي، ولما كان نشوء
الحضارات - ولا سيما الحضارات الحاضرة - أسرع من نشوء القوانين، فالقضاء
يتدخل ليعدل هذه حسب ما تقتضيه العادات الجديدة.
وفي البلاد التي يظهر أن القاضي فيها مقيد مكره على مراعاة نصوص القانون في
أحكامه، يجب على القانون أن يسير فيها مع العادة متحولًا بتحولها، وأما البلدان التي
يكون فيها القاضي طليقًا كإنكلترة فلا احتياج لمس قوانينها، فالقاضي نفسه يراعي في
تطبيقها تحول الأمور.
والقضاء - وهو يعين العادات - يكون عند جميع الأمم أعظم شوكة من القوانين؛
لأن تجدد الاحتياجات الاجتماعية أسرع من تجدد الشرائع والقوانين، فمع أنه لم يكن بين
الشعوب من يداني الرومان احترامًا لنصوص الشرائع» نرى القانون الذي أيد في تطبيقه
تأييدًا قضائيٍّا لم يفرط - كما قال) كرويه -(في تجاوز حد نصوصه كما أفرط في
روما، ولم تخالف شريعة مكتوبة في الحكم بين الناس كما خولفت شريعتها، وذلك لم
يمنع الناس في الوقت الحاضر من عدهم حقوق روما التي تختص بمجتمع ميت نموذج
اشتراع عام خالد. «!
ثم إن المجتمع الذي تظل حقوقه جامدة غير متجددة يغيب عن الوجود بسرعة،
وهذه حال لم تحدث قط، حتى إن الشريعة الإسلامية التي عين القرآن حدودها لم تلبث
أن تجاوزت تلك الحدود، وكيف تظل الحقوق ثابتة وكل شيء يتغير في أطرافها تغيرًا
يجعل تطبيقها أمرًا مستحيلًا؟ قد يستمر الناس على احترام نصوص الشريعة، ولكنهم
سرعان ما يكفون عن مراعاة أحكامها، فقد كان الرومان يمجدون قانون الألواح الاثني
عشر دون أن يطبقوها، وكذلك المسلمون الذين يقدسون القرآن يحولون أحكامه بما
يأتون به من تفسير وتأويل.
وهكذا يتحول القضاء بتحول العادات مستقلٍّا عن القانون وأحيانًا ضد القانون،
وما كان القانون في أي زمن من القوة بحيث يقف أمام العادة، قال الأستاذ)دركيم: (
» لو طوحت بنا الحياة العائلية إلى مسافحة ذوي القربى لما استطاع المشترع أن يحول
دون ذلك «، ولا شيء أفصح من هذا القول، فأي محكمة تجرؤ اليوم أن تحكم على
رجل قتل خصمه في مبارزة بالأشغال الشاقة كما يأمر القانون؟ ومع أن القانون يحرم
الطرح عدل القضاة عن الادعاء على المذنبة لما رأوا المحلفين يبرئونها على الدوام، فليس
على القضاة أن يلزموا الناس قواعدهم الحقوقية، بل عليهم أن يسيروا كما تمليه عليهم
مشاعر المجتمع.
ولولا القضاء الذي يسير مع تقلبات العادة لأصبح القانون ظالمًا في نهاية الأمر،
فالقضاء على الخصوص هو الذي يحرر زوجة النوتي الذي انقطع خبره في سياحة بعيدة
من الترمل الأبدي الذي يأمر به القانون عندما يتعذر عليها إبراز وثيقة خطية دالة على
وفاة زوجها، والقضاء أيضًا هو الذي يكره المغوي على ضمان ضرر المرأة التي أغواها
وتربية ولدها وإن كان القانون يحرم الأبوة في هذه الحال.
بمثل تلك الأمور تتضح كيفية تكوين القوانين، ويتجلى الشأن الحقيقي للمشترع،