فعلى المشترع أن يقتصر على تأييد القوانين بعد أن تظهرها العادة ويعين القضاء
حدودها، وكل قانون يصدر فجأة من غير أن يجتاز هاتين المرحلتين محكوم عليه
بالإخفاق.
ولنورد مجلسنا الشوري - الذي يزيد كل يوم سلطة أكثر من ذي قبل - مثالًا
على حقوق جديدة تتكون الآن بفعل العادة وتأثير القضاء، كان هذا المجلس فيما مضى
عبارة عن هيئة إدارية ذات واجبات لا أهمية كبيرة لها، فصار بالتدريج ذا سلطة
تنحني أمامها جميع السلطات، إذ أصبح يأتي بأحكام قاطعة غير تابعة للاستئناف في
أمور مختلفة كنقض قرارات الولاة وأوامر الوزارة وإعادة ضباط البحرية المعزولين إلى
وظائفهم وعزل المأمورين المعينين.
وما هو مصدر تلك السلطة؟ مصدرها العادات التي هي بنت الضرورة، والتي
عين القضاء حدودها، وما تخيل مجلس الشورى أن يتطاول على بقية السلطات، وإنما
الجمهور هو الذي ألجأه إلى ذلك لرغبته في تقييد أهواء الوزراء وسائر رجال الإدارة،
ولاشتياقه إلى إيجاد قوة تحميه ضد الفوضى العامة، وفضلًا عن ذلك تتدرج جميع النظم
الديمقراطية إلى تكوين سلطات عليا لتكون عنوانًا للاستقلال والثبات، كمحكمة الولايات
المتحدة العليا التي يظهر أن مجلسنا الشوري سيكون له ما لها من الشأن بعد قليل من
الزمن، ومما يبرر ما قلناه هنا في تكوين الحقوق وظهور تلك السلطات ظهورًا غريزيٍّا
هو مع أنها لا تستند في قوتها إلى نص قانوني ولم يدعمها نظام تكتسب به ما لا يتيسر
للقوانين المحررة الصريحة من نفوذ وسلطان.
ومثل ذلك يشاهد في إنكلترة أيضًا، ففي هذه المملكة لا تستند مبادئ الحكم الأساسية
إلى مواد قانونية، وليس فيها قانون يأمر بقسمة البرلمان إلى مجلسين، وبتفويض سن
القوانين إليهما ويجعل الملك يحكم البلاد بواسطة وزراء مسؤولين ... إلخ، وهي مع
أنها عاطلة من دستور مكتوب 1 تعد عنوان الحكومات الدستورية، وقد صارت بالتدريج
جمهورية يرأسها ملك، وإذا استثنينا جمهورية الولايات المتحدة رأينا جميع جمهوريات
العالم لا تدانيها حرية، فأبناؤها أحرار في مواظبتهم على الكنيسة، ويستطيعون تأسيس
جمعيات واشتراء أملاك بواسطتها من غير أن يكونوا عرضة لنزعها من أيديهم.
كل شيء في إنكلترا يناقض مبادئنا في النظام والعقل والقياس والمنطق، وتتألف
حقوقها من عناصر ومقومات هي غاية في التباين، قال الوزير (شامبرلن) في البرلمان
الإنكليزي»: إن أعظم مزية تتصف بها أنظمتنا هو أنها غير منطقية، «فأكرم به من
تصريح بعيد الغور؛ لأن القوانين إذا استغنت عن قواعد المنطق فلأنها وليدة مشاعر
ناشئة عن ضرورات مستقلة عن العقل.
1 هذا الكلام يلقي الدهش في قلوب الذين لا يرون لغير القوانين المكتوبة قيمة، وقد ساقتني المصادفة
إلى الاطلاع على خطبة ألقاها الوزير الإنكليزي المستر (اسكويث) أمام مجلس اللوردات في اليوم الأول
من شهر أيلول سنة 1909، فرأيت فيها ما أدعم به صحة قولي وإليكه:
نسير منذ قرون كثيرة حسب دستور غير مكتوب، أجل عندنا أنظمة مكتوبة خالدة كدستور
(ماغنا كارتا) ، ولكننا لو نظرنا إلى ما في بلادنا من حرية وعادات دستورية لرأيناها لم تقترن
حتى الآن باستحسان خطيٍّ قاطع من قبل الملك أو مجلس اللوردات أو مجلس النواب، فنحن
نعيش تحت سلطان العرف والعادة والمواثيق التي فقمت شيئًا فشيئًا فأصبحت محترمة لدى
الجميع على مر الزمن.