ومن سوء الحظ بقاؤنا بعيدين من مثل هذه الأفكار غير منتفعين بالتجارب، ولقد
أدت أوهامنا في تكوين القوانين ووضعها إلى نشوب ثورات كثيرة وتخريب عدة مدن
وإهراق دماء غزيرة، ولا أحد يستطيع أن ينبئنا بما تكلفنا في المستقبل.
ولا شيء يدل على دنو الوقت الذي تتبدد فيه تلك الأوهام، بدليل أنها لا تزال تجد
لها بين أولي النفوس النيرة من يدافع عنها، فقد صرح أحد أقطابنا السياسيين في مقدمة
كتاب نشر حديثًا» ضرورة تنظيم المجتمع تنظيمًا سياسيٍّا اجتماعيٍّا حسب ما يمليه
العقل والقوانين «ولم يعبر هذا القطب في كلامه عن غير ما هو سائد لنا منذ قرن،
من أباطيل متأصلة سببت نشوب ثورات مخيفة في بلادنا، أفلم يحن الوقت الذي نعدل
فيه عن الاشتراع والتنظيم والإصلاح باسم ذلك العقل الأعمى الذي لا يعرف مقتضيات
الطبيعة ويجهل مقتضيات الاقتصاد وكل ضرورة؟ وهل نعلم يومًا أن المجتمعات لا
تتجدد كما يرغب ولاة الأمور؟ فالحقوق لا تصنع وإنما هي تصنع نفسها، وهذه كلمة
وجيزة ينطوي تحتها تاريخ الحقوق جميعه.