وفي بعض الأحيان يتلهف مؤرخونا في مؤلفاتهم على فقدنا الهند التي افتتح
(دوبليكس) الكبير قسمًا منها في الماضي، وعندي أنه لا شيء يوجب الأسف في ذلك، فلو
بقيت في أيدينا لتسلطنا عليها بما تتسلط على (پونديشيري) ، وغيرها من المستعمرات،
أي بالمبادئ التي ذكرها الموسيو (لورا بوليو) ، ولما لبثت من جراء ذلك أن تخلصت منا
بعد ثورات عنيفة.
وقد ارتكبنا في الهند الصينية 4 نظير تلك الزلات التي تجعل حكمنا في كل مكان
مخربًا لا يطيقه أحد، فنحن نرسل إلى الشرقيين الذي ألقيت مقاليد أمورهم إلينا مفوضين
سياسيين كي يديروا أمورهم بواسطة جحفل من الموظفين الفرنسويين الذين لا يفقهون
شيئًا من عادات الشرقيين وطبائعهم. ومع أنه يجب على تلك المستعمرة الكبيرة أن تعود
على فرنسا بمئتي مليون فرنك كل سنة كما يقول الموسيو (هارمان) لا نزال مثابرين
على إرسال كثير من المال والرجال إليها، غير نائلين نتيجة سوى إيقادنا فيها نار الحقد
علينا وضياعنا فيها كل نفوذ وإتياننا بدليل آخر على عجزنا عن إدراك حاجات الشعوب
الأجنبية، ومشاعرها وأفكارها ومن ثم عن حكمها.
إذًا الخطر كله في عزمنا على إلزام أبناء المستعمرات أناظيم ومبادئ واحتياجات تختص
بأمم مختلفة عنهم، ثم إن تلك الجهود غير مجدية فقلما يبدل طلاء التربية الأوربية
شيئًا من جوهر أبناء المستعمرات، حادثوا قليلًا أدباء الهند الذين تخرجوا على المدارس
الإنكليزية الهندية لتروا درجة الهوة الموجودة بيننا وبينهم على رغم معلوماتهم التي
تعادل معلومات خريجي المدارس العالية والثانوية في أوربا، فلقد احتاج البرابرة إلى قرون
كثيرة ليقيموا على أنقاض العالم الروماني حضارة ولغة وفنونًا ملائمة لاحتياجاتهم،
وبهذا أعني أن الزمان وحده هو الذي يقدر على إتمام الانقلابات الكبيرة.
والتاريخ يثبت أن حضارتين متباينتين لا تمتزجان عند المصاقبة، فالأمم الفاتحة
التي قدرت على التأثير في الأمم الأخرى هي التي لا تختلف عن هذه كثيرًا في المشاعر
والأفكار والنظم والمعتقدات.
بذلك نفسر تأثير العرب العظيم في الشرق أيام دولتهم، وتأثيرهم الآن في أفريقيا
والهند والصين، فقد أفلح العرب في جعل الأمم التي اختلطوا بها تعتنق مقومات
حضارتهم، أي دينهم ولغتهم وفنونهم، ويظهر أن الحضارة العربية ترسخ أينما حلت،
فأمامها تقهقرت أديان الهند القديمة، وجعلت مصر الفراعنة التي لم يؤثر فيها الفرس
والإغريق والرومان بلادًا عربية من كل وجه، والآن نرى في الهند خمسين مليونًا وفي
الصين عشرين مليونًا من المسلمين، ويزيد هذا العدد كل يوم، ومع أنه يصيب زمر
المبشرين الأوربيين إخفاق عظيم في أفريقية يفتتحها الإسلام برمتها، فالسائح الأوربي
الذي يصل بشق النفس إلى وسط أفريقية يرى قوافل العرب ناشرة خلفها دينها ولغتها.
قد يكون الأوربيون مستعمرين ماهرين، ولكن الأمة التي استطاعت بعد الرومان أن
تمدن الشعوب الأخرى هي الأمة العربية، فالعرب وحدهم هم الذين استطاعوا بالحقيقة
أن يجعلوا شعوبًا أخرى تعتنق عناصر حضارة أمة غريبة عنها، أي دينها ونظمها
وفنونها.
4 نشر الدكتور (كولين) بضع مقالات بحث فيها عن بلاد السنغال والسودان، فأثبت فيها نتائج
عزمنا على إلزام جميع الشعوب أنظمتنا حيث قال: «إننا بهجومنا قبل الأوان على نظام المجتمع الزنجي
سنخوض غمار حرب طاحنة يحاربنا فيها مسلمو الزنوج ووثنيوهم.»