وبما أن الزعماء هم الذين يحدثون الرأي، أصبح من المهم أن نعرف كيف يحدثونه،
وهنا تبدو لنا أهمية روح الجماعات، فمعرفة روح الجماعات أكثر ما يحتاج إليه أولو
الأمر في نظام ديمقراطي كنظامنا، وقد استوقف هذا الاحتياج نظري منذ خمس عشرة
الذي كانت مواضيعه مجهولة آنئذ فأصبحت «روح الجماعات» سنة فوضعت كتابي
أساس كثير من المباحث.
ولا أريد أن أكرر هنا صفات الجماعات وأطوارها الخلقية، بل أقتصر على بيان عدد
قليل منها ظهر بوضوح في حوادث جديدة، وإني قبل كل شيء أقول إن روح الجماعات
إذا أخذ الناس يعرفونها فذلك لأن ضباط الجيش ينشرون ما جاء في كتابي من القواعد
والمبادئ ولتدريسها بنشاط في المدرسة الحربية، وأما ساستنا فقلما يعرفون شيئًا منها
بدليل أنهم لم يكفوا بعد عن الإعجاب بحكمة الجماعات وصحة تمييزها، وحسن ذوقها
مع أنها أبعد الأشياء من هذه الصفات، نعم قد تبدي الجماعات أحيانًا بطولة وإخلاصًا
تامٍّا لبعض المقاصد، ولكن صحة التمييز لا تصدر عنها أبدًا.
ولا شك في أن آراء مشترعينا في النفسية الشعبية لا توافق الحقيقة، فلما تصور
هؤلاء أن الشكر فضيلة جموعية أخذوا يكثرون من سن قوانين عقيمة خطرة لينالوا
حظوة عند الجماعات، وهم لجهلهم أن الجماعات تحتقر الضعف لا يعلمون أن الهبات
التي يمنحونها إياها إزاء ما تأتي به من الوعيد تؤدي إلى تجريدهم من كل نفوذ في
نظرها، وكل ما تفعله هذه الهبات في نفوس زعماء الجموع هو جعلهم يعتقدون أن
العنف يكفي لنيل المآرب والأغراض.
ولا أشرح هنا ما تختلف به روح الجماعات عن روح الفرد من طرز في التفكير
وبواعث للحركة ومن منافع، بل أشير إلى أن الجماعات تتصف بالعجز عن التعقل وبأنها
لا تؤخذ بالمعقولات وببساطتها وشدة انفعالها وسرعة تصديقها، وبأن الأفكار لا تؤثر
فيها إلا بعد صوغها في صيغ موجزة مولدة للخيالات، كأن يدل رأس المال عندما يذكر لها
على غنيٍّ مكسال مبطان يعيش من كد الشعب وجده. وكأن تدل الحكومة على الشرطة
والجيش، والكهنوت على حكومة من القساوسة، والاشتراكية على حكومة تنزع أموال
الأغنياء، وتجعل العمال يأكلون ويشربون دون أن يصنعوا شيئًا.
وقد علم رجال السياسة بغريزتهم أن الجماعات عاجزة عن صوغ كثير من
الأفكار دفعة واحدة، وأن الصيغ الشديدة الواضحة عظيمة التأثير، فتراهم يسعون أيام
الانتخابات في إيجاد كلمات تخلبها وتكسب قلوبها ككلمة» الخط الإكليروسي «و» ضريبة الدخل «
إلخ. ...
والإنكليز سباقون في هذا المضمار، وقد أثبتت لنا انتخاباتهم الأخيرة ما للصيغ
البسيطة المؤكدة من التأثير في النفوس، فقد جاء على إنكلترة حين أصبحت فيه مستورة
بإعلانات مصورة خالية من التصريحات الطويلة التي يكثر منها مرشحو البلدان
اللاتينية، وفي الإعلانات التي نشرها المحافظون لم يذكروا سوى بضع صيغ كقولهم إن
انتخاب مرشحي الأحرار هو انتخاب ضد قوة إنكلترة البحرية. ولا يعسر إدراك ما يكون
لمثل هذا القول من التأثير في بلاد يعد أهلها القوة البحرية سبب السيادة والعظمة.
والصور تزيد تلك الصيغ القاطعة قوة، ونعد من الإعلانات المصورة التي أوجبت
كثرة في عدد ناخبي أحد الأحزاب ذلك الإعلان الكبير المقسوم إلى قسمين: قسم يحتوى
على تاريخ سنة 1900 وعلى مدرعة مرقوم عليها قوة الأسطول الإنكليزي، وعلى سفينة
صغيرة تدل على الأسطول الألماني، وقسم يحتوي على تاريخ 1910 وعلى مدرعة ألمانية
مهمة كالمدرعة الإنكليزية، فبهذا أظهر المعلنون للناخبين درجة الخطر الألماني، وعزم
حزبهم على مقاومته فلفتوا النظر إلى مرشحيهم.
وتقوم هذه الأساليب على معرفة الروح الشعبية، وكيفية تحريكها وسرعة تصديقها
وتأثير الألفاظ المكررة فيها، وإذا كانت النتائج المبتغاة لا تتحقق في إنكلترة في كل وقت؛
فلأن جميع أحزابها تتذرع بأساليب متماثلة موجبة بلبلة الناخبين مؤدية إلى سيرهم
حسب تلقين الحزب الذي ينتمون إليه.
ويسهل تهييج الجموع لشدة إحساسها، ولا يعسر تحويلها لسرعة تقلبها، فالجموع