فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 145

التي تتوج بحماسة البطل في معبد (الكابيتول) قد تدهوره من شاهق (تاربيان) بمثل

تلك الحماسة. فروبسبير الذي كان قبل سقوطه بيوم معبود الشعب الباريسي سيق في

اليوم الثاني من سقوطه إلى المقصلة بين صفير هذا الشعب وشتمه، وكذلك (مارا) الذي

دفن في (البانتيون) بين تهليل الجموع رميت جثته بعد بضع سنوات من قبل هذه

الجموع في المرحاض، وما كان مصير جثة (كرومويل) بأحسن من ذلك.

والزعيم الحقيقي لعلمه أن الجماعات خالية من العقل لا يحاول غير التأثير في

عواطفها، وبما أن خصمه يفعل - بحكم الضرورة - مثله يكون النجاح النهائي حليف

من يشاغب ويشتد أكثر من الآخر.

وقد بلغ العنف مبلغًا جعلنا نرى بعد الانتخابات الأخيرة وزراء إنكليزيين مشتهرين

عادة باستقامتهم يسبون معارضهم في خطبهم الشعبية بمثل ما كان يسب به

اليعاقبة خصومهم أيام الثورة الفرنسوية، ففي خطبة عامة ألقاها وزير المالية المستر

)لويدجورج (صرح» أن مجلس اللوردات عبارة عن جماعة من الأنذال الأدنياء الفاقدي

القيمة الذين ليسوا من الشهامة بحيث يفعلون الخير، ولا من الجسارة بحيث يصنعون

الشر، «وشتائم مثل هذه يكررها الوزراء في دوائرهم الانتخابية كل يوم.

ومما يجدر ذكره أن شعور الجماعات بسلطانها وعدم مسؤوليتها يجعلها كثيرة

الانفعال شديدة الغرور، وما وقع في الأيام الأخيرة من حوادث أشرنا إليها في هذا الكتاب

يؤيد صحة ذلك، ثم إن مشاعر الجماعات مفرطة على الدوام، وهذا هو العلة في أن

الجماعات وإن كانت ذات غرور كبير لا حد لإطاعتها ودناءتها عندما يرأسها رجل ذو

نفوذ، فلقد أوضحنا درجة السهولة التي احترمت بها طوائف العمال الأوامر العقيمة

الجازمة التي أمرتها بها رجال الثورة.

لنذكر بجانب نقائص الجموع مزاياها.

عجز الجموع عن التعقل ينمي فيها محبة الغير التي يضعفها العقل مع أنها فضيلة

اجتماعية مفيدة، فالرجل الذي ينظر إلى الأمور بعين العقل هو رجل ذو أثرة قلما تجعله

يضحي بنفسه في سبيل المصلحة العامة مع أن الجماعات تأتي بمثل هذه التضحية،

وبفضل الجماعات وحدها ظهرت أعظم الدول وتم سلطانها، وبما في الجماعات من

بطولة وإخلاص وفضائل أخرى تعيش الحضارات.

ومن الصفات التي تتصف بها ذهنية الشعب سرعة التصديق، ولا حد لسرعة

التصديق في الجموع فكل شيء ممكن في نظرها، فإذا طلبت القمر وجب وعدها به،

ولا يتأخر رجال السياسة عن الإتيان بمثل هذه الوعود أمامها، وفي معركة انتخابية

إذا اتهمتم خصمكم بأبعد الافتراءات من المعقول فسرعان ما تصدقون، وإني أنصحكم

بأن لا تعزوا إليه اقتراف جنايات مغمة خوفًا من أن يصبح محطٍّا لعواطف سامعيكم،

فالجموع تبدي نحو أكابر المجرمين شيئًا من الإعجاب والاحترام على العموم.

وما في الجماعات من الإفراط في سرعة التصديق ليس خاصٍّا بها، فسرعة التصديق

لا الشك هي التي تلائم حالتنا الطبيعية، نعم لا ينقصنا شيء من ملكة الانتقاد في الأمور

التي تتعلق بمهنتنا، ولكننا عندما نتجاوز دائرة هذه المهنة الضيقة لا يبقى فينا من

ملكة الانتقاد سوى القليل؛ ولذا أحذر القارئ من القول بشك اللاأدريين، فهؤلاء لا

يفعلون في الغالب غير تبديل سرعة تصديقهم موضعًا، فجنات الاشتراكية حلت عندهم في

مكان جنات كتب القصص، وقامت الموائد المتحركة والتنويم المغنطيسي وعبادة الرجال

في نظرهم مقام الآلهة القديمة.

وعندما يطمع الناشر البسطاء بأرباح كبيرة في إعلان ينشره حسب ما يقتضي ينال

كسبًا كبيرًا، فها هي كتائب الماليين تعيش من وراء ما تنشره من الوعود الخلابة، ولا

يتطلب تنميق هذه الوعود خيالًا واسعًا، فيكفي لنجاحها تكريرها بألفاظ واحدة.

روت جريدة (لوغلوب) تاريخ أسهم بعض المناجم في جمهورية الأرجانتين، فقالت

إن حملة هذه الأسهم لم ينالوا شيئًا بعد، وإنه كلما مرت ستة أشهر توزع ملايين من

الإعلانات يجيء فيها أن حَمَلة الأسهم سيعطون أرباح أسهمهم، وأنه لما كانت قيمة هذه

ستزيد عشرة أضعافها يجمل بالجمهور أن يقبِل على ابتياعها، والجمهور لما يتصف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت