وأسهل طريقة لمعالجة ذلك تقليل السلطة الشعبية، غير أن تطور الحكومات
الديمقراطي في جميع البلدان يدلنا على أن السلطة الشعبية بنت بضع ضرورات نفسية
لا يجدي ذمها ولومها نفعًا، فعلى صفوة الرجال أن يمتزجوا بالحكومات الشعبية، وأن
يحولوا دون تنفيذ أهواء الجماعات بما يضعونه من الحواجز كما يفعل المهندسون في
معالجة السيول بالأسداد.
ولنعلم أن مذهب السيادة الشعبية لا يناقض العقل أكثر من أن تناقضه المذاهب
الدينية التي عاش بها البشر في الماضي، ولا يزال يعيش تحت ظلها كثير من الناس،
ويظهر لنا من مطالعة كتب التاريخ أن الإنسان يلتئم بأي شيء أكثر منه بالمعقول،
ويكون التئام صفوة الناس بالجموع كثير السهولة لو لم يبذر زعماء الأحزاب في نفوس
الجموع أضاليل وأحقادًا هي السبب في ما بين طبقات الأمة من البغضاء.
وتزول تلك البغضاء يوم تدرك الجموع أن زوال صفوة الناس أو ضعفهم يؤدي
إلى فقرها ثم إلى هلاكها، وعلى ما في إثبات هذه الحقيقة للجموع من صعوبة أرى
من الواضح وضوحًا لا غبار عليه هو أن إدارة المصنع من غير رئيس، أو إدارته من
قبل موظفي الدولة كان ممكنًا في أوائل القرن الماضي، حين كانت أمور الفن في دورها
الابتدائي، وأما اليوم فمستحيل.
ولا يفتأ الاشتراكيون - وهم البعيدون من الحقائق التائهون في الأوهام - ينشرون
بين البسطاء خيالات يؤدي تحقيقها إلى هلاك البسطاء خاصة، والأوهام التي تطبع على
قلوب العامة تتجلى في الكلمة الآتية التي قالها أحد مفوضي العمال في المؤتمر الاشتراكي
المنعقد في شهر فبراير (شباط) سنة 1910 وإليكها»: ليس لتحريركم سوى تحويل
أملاك المتمولين إلى أملاك اشتراكية تديرونها بأنفسكم ولأنفسكم، فبذلك تصبحون يا
معشر أرقاء المتمولين أحرارًا منتجين مشتركين «.
وسيكون مصير مصنع يديره العمال كمصير سفينة يديرها ملاحون بلا ربان، ولا
ريب في أن أجل ذلك المصنع يمتد قليلًا عندما يقبض على زمامه مفوض من قبل حكومة
اشتراكية، ولكن بما أن هذا المفوض يمتنع عن تبديل شيء في المصنع ينحط المصنع بدلًا
من أن يتقدم فتنقص الأجور.
ولا أعتذر عن إسهابي في الدفاع عن مثل هذه الحقائق المبتذلة؛ لأنها لا تزال مجهولة
عند ملايين الناس، وها قد أخذت تنتشر في كثير من الممالك كإنكلترة والبلجيك، فنشأ عن
ذلك عدم اكتساء الاشتراكية في تلك الممالك أشكالًا ظالمة باغية، كما هو الأمر في البلدان
اللاتينية حيث تحولت الاشتراكية إلى حرب بين الطبقات.
ولعدم اطلاع الناس على بعض المبادئ الأولية نقول بضرورة إحداث تربية جديدة
في دورنا الديمقراطي، على أن يكون المقصد الأول لتلك التربية تعليم الناس خط الوصل
بين العناصر الثلاثة للحركة المعاشية: الذكاء، ورأس المال، والعمل.
وريثما يقع ذلك الإصلاح الذي لم نبصر منه وميضًا بعدُ نعيش بين الجماعات التي
نقول عنها ما يأتي:
الحكومة الشعبية لا تعني الحكم بواسطة الشعب بل تعنيه بواسطة زعمائه،
وليست الجموع هي التي تحدث الرأي وإنما تعانيه، وبعد أن ينومها تسعى في حمل
الناس عليه بشدة، وهذا ما نسميه جريان الرأي.
والحق أن الجماعات لا تسبب جريان الرأي، وكل ما تفعله هو أنها تمنح الرأي
قوة لا تقاوم، فعندما أعدم الفوضوي (فيرير) الذي لم يسمع سكان باريس عنه شيئًا
استطاع بعض الزعماء أن يسوقوا ألوفًا من الرجال ليهجموا على السفارة الإسبانية،
وبعد أن أوغر الزعماء صدور هذه الألوف بخطبهم جعلوها تقترف أنواع المظالم ومنها
النهب والقتل، والخوف هو الذي دفع أولئك الزعماء إلى أمرها في اليوم الثاني بإقامة
مظاهرة سلمية فأجابتهم إلى طلبهم طائعة.
لا حد لانقياد الجماعات لمن يعرف كيف يقودها، وقد أتقن أكابر الزعماء في زماننا
أمر سياستها، فمن هذا تعلم أن حكومة الجماعات ليست بالحقيقة سوى حكومة
الزعماء.