من أجل ذلك يعظم شأن صفوة الرجال وتكثر جهودهم، ومساعي أقطاب الصناعة
على الخصوص هي أساس الاكتشافات والمبتكرات، وهؤلاء الأقطاب وإن كانوا ينالون في
الغالب ثروة كبيرة تورث نفوس القائلين بالمساواة غمٍّا شديدًا، يتراوحون بالحقيقة بين
الغنى والإفلاس دون أن يأملوا الحصول على الحالة الوسطى، والغنى يتفق لهم بعد
إكثار من النظر إلى العواقب ودقة في الإدارة وتنظيم للأعمال، والإفلاس يدركهم عندما
يزلون عن الصواب قليلًا، فكأنه لا يحق لهم أن يخطئوا، وفي أكثر المرات ينطوي تحت
أبهتهم الظاهرة كثير من الهموم، فإذا أقاموا مصنعًا مجهزًا بأحسن الآلات فسرعان
ما يحملهم اكتشاف جديد أو مزاحمة غير منتظرة على تجديده، وقد اشتدت المزاحمة
وصارت اكتشافات المختبرات مفاجئة وأصبح عدم الاستقرار شاملًا فحُرِم الرجال الذين
يديرون المشاريع سكون الخاطر وراحة البال. 1
كان الناس في القرون القديمة لا يغتنون إلا بعد أن يوقعوا ضررًا بالآخرين، وأما
الآن فمن الصعب أن يغتني فريق من غير أن يوجب غنى الباقين، وهذا ما أشار إليه
الموسيو (دافنيل) في الأسطر الآتية، وهي»: كان الاغتناء يقع في الأزمنة الإقطاعية بعد
حروب فردية مؤدية إلى خراب الجيران، ثم صار بالمراباة فبامتلاك أموال الدولة، وفي هذه
الأيام يكون بإغناء المجاورين والدولة، فالثروة المكتسبة ليست الآن باختلاس الشعب أو
الملك بل أخرجها العلم عن يد خواص الرجال من العدم فاستفاد الكل منها «.
إذًا لا تقدر المدنيات الحديثة التي أوجدها صفوة الرجال على العيش والتجدد إلا بهؤلاء،
وهذه حقيقة ضرورية لفهم المعضلة الآتية وهي: بينما توجب مبتكرات العلوم قبض
صفوة الرجال على زمام المعايش الحديثة، يمنح تقدم المبادئ السياسية الجموع المنحطة
بمزاجها النفسي حق الحكم بالتدريج، ويسمح لها بالاسترسال في أشد الأهواء خطرًا على
يد نوابها.
فلو أن الجموع تختار صفوة الرجال الذين يسيرون دفة الحضارة قادة لها لتم
حل المعضلة، غير أن هذا الاختيار لا يقع إلا على قلة، فالجموع لا تسلم بصفوة رجال
الصناعة وهي تسعى في تجريدهم من أموالهم بواسطة نوابها في البرلمان.
وهكذا تم انقسام المجتمعات الحاضرة إلى طبقات مختلفة سيشاهد المستقبل
تنازعها، وكيف يوفق بين هذه الاختلافات؟ وكيف يعيش خواص الناس الذين لا تبقى
أمة بدونهم مع جموع العمال الذين يودون سحق الخواصكما فعل البرابرة في روما؟
أجل، إن المعضلة صعبة ولكنه لا يتعذر حلها، فلقد علَّمنا التاريخ أن الجموع
شديدة المحافظة على رغم غرائزها الثورية الظاهرة، وهي لا تلبث أن تبني ما هدمته،
وعلى هذا مهما يبلغ حب التخريب في الشعب فإنه لا يحول دون تطور الأمة زمنًا طويلًا،
غير أنه لما كان تجديد ما هدم في يوم واحد لا يتم أحيانًا إلا في قرون كثيرة صار من
أصالة الرأي أن يحال دون الهدم.
1 أقطاب الصناعة يميلون إلى التخلص من التبعة بتحويلهم مصانعهم إلى شركات مساهمة، وفي هذه
الشركات يتجلى شأن أولي القابلية العالية أيضًا، فقد دل البحث في جميع مشاريع العالم - ولا سيما
مشاريع بلجيكا - على أن أرباح المصانع التي يديرها أصحابها عشرة في المئة مع أن المصانع التي تخص
شركات المساهمة لا تعود على المساهمين إلا بأربعة في المئة من ثمن الأسهم وكثيرًا ما يصيبها الإفلاس.
ومع أنه يجب أن تكون الرواتب في الأمور الصناعية والمالية بحسب الاستحقاق يسير الأمر على خلاف
ذلك، فقد جاء في إحدى الصحف أن كل واحد من المديرين الاثني عشر الذين يديرون إحدى شركات
الاعتماد الكبيرة في بلادنا يتقاضى في كل شهر ثلاثمئة ألف فرنك على حساب المساهمين وإن كان العمل
الذي يأتي به قليلًا إلى الغاية.