فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 145

الضعيف في حركات الأجرام الفلكية، وكذلك السياسي الحقيقي يباشر الأمور كالعالم

الفلكي متذكرًا أن العامل الواحد الذي لا أهمية له في أحد الأزمنة قد يكون مهمٍّا في زمن

آخر.

أمَّا رأي علماء القرن السابق القائل بوجود نواميس مطلقة فقد أخذ يتقلص بالتدريج،

ولن تكون مبادئ روح السياسة ثابتة أكثر من النواميس الجثمانية التي تتحول كما

هو معلوم، ثم إن المبادئ السياسية تتضعضع بفعل كثير من العوامل غير المنتظرة على

الدوام، فعلى هذا الوجه نرى في بعض الأوقات اختفاء تأثير بعض العوامل المألوفة إزاء

جريان مفاجئ في الآراء، والرجل السياسي الذي يعرف نظام هذا الجريان يقدر على

توليده أو تعيين وجهته على الأقل، كما استطاع بسمارك ذلك في سنة 1870

وجريان الآراء المفاجئ قوة أدبية لا تقدر أية قوة أخرى أن تقف أمامها في بعض

الأحيان، وقد أدرك نابليون ذلك فقال»: إن جريان الأمور هو الذي يتكلم واتجاه الرأي

العام هو الذي يقوده، وما كنت يومًا سيد نفسي، فالأحوال هي التي كانت تسوقني في

كل وقت «.

ويبدو سلطان جريان الرأي وتقلبه في كل صفحة من صفحات تاريخنا الحديث،

فما قصة الإمبراطورية الأولى ثم إعادة النظام الملكي ثم الدور الروائي ثم الإمبراطورية

الثانية ثم حادثة) بولانجيه ...(إلخ سوى أمثلة على ذلك، و «الأمير» الذي حكى عنه

)ماكيافيلي (يسمى اليوم «الجماعة،» وتصبح قدرة الجماعة مخيفة عندما تتجه جميع

العزائم نحو غرض واحد، وإن كان هذا الاتجاه لا يدوم طويلًا فعلى رجال السياسة أن

يعلموا ذلك.

وفي الغالب لا يفقه رجال أحد الأدوار ما قد يحدث في دورهم من جريان في آراء

الشعب، فلم يبصر أحد في أوائل الثورة الفرنسوية ما قد تؤدي إليه هذه الثورة من

مستقبل رهيب، وفي الثورة المذكورة ظهر مصداق المثل القائل: بينما كانت السفينة تغرق

كان السائحون يهنئون بعضهم بعضًا بالغرق، فكانت (مدام دوجانليس) مربية أمراء

عائلة (أورليان) تقودهم ليروا هدم حصن (الباستيل) ، وكان الأشراف ينظرون إلى هذا

الجريان بعين العطف كما نظر أبناء الطبقة الوسطى العُمي إلى اعتصاب موظفي البريد

الأول، وما كان الناس آنئذ أعلم من رجال الوقت الحاضر بأن الحوادث الفكرية مرتبط

بعضها ببعض ارتباطًا وثيقًا، وأن كل واحدة منها لا تلبث أن تصبح علة لمعلومات

أخرى.

نرى من هذا البيان ما على الرؤساء الذين يودون أن يحكموا الناس بحكمة ودراية

أن يتجشموه من المصاعب، وتشتد تلك المصاعب بمقدار تباعدهم عن أفكار الجماعة،

وخضوعهم لعوامل أخرى تقصيهم عن اكتناهها ومخاطبتها.

ولا يحسن المرء معرفة أبناء طبقة إلا إذا كان من تلك الطبقة، وهذا هو السر

في أن زعماء» اتحاد العمال «الذين هم من طبقة العمال يعرفون كيف يجعلون هؤلاء

يطيعونهم كما يجب، فبما أن أولئك الزعماء لا يبالون بالمبادئ الكبيرة والنظريات

الجميلة في الإنسانية يعلمون أن الجموع كذلك لا تعبأ بها، وأن هذه الجموع ذات النظر

المحدود ترضى من غير جدال بالمعتقدات التي أفرغت في صيغ وجيزة حماسية، وأنها

تخضع لأشد الأوامر تجبرًا من دون أن ترفع عقيرتها إذا أملى عليها هذه الأوامر رجال

أو لجان ذوو نفوذ وتأثير.

وليس عند هؤلاء الزعماء سوى علم وجيز بأحوال النفس، ولكنهم بهذا العلم الوجيز

الملائم لأفكار أولي النفوس الساذجة استطاعوا أن يستعبدوا البسطاء، وهم يعلمون أين

يذهبون وماذا يريدون، ولا يجهلون أغلاط رجال السياسة، فما أحرى بولاة أمورنا أن

يحذوا حذوهم.

يتألف من تلك العوامل جميعها - بعيدة كانت أم قريبة، دائمة كانت أم مؤقتة - ما

نسميه «معادلة أحد الأدوار الاجتماعية» فعلى حل هذه المعادلة حلٍّا صحيحًا يتوقف،

في الغالب مستقبل الأمة، والضرورة هي التي تحلها إذا لم يتدخل المشترعون لإحلال

العوامل التي توازن سنن الكون بينها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت