فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 145

يطبق إلا على أحوال هي غاية في البساطة لا يستنبط به سوى حقائق مبتذلة قليلة

الفائدة كالقول إن الحكم المطلق يعقب الفوضى، وإن الشعوب القوية تتغلب على الشعوب

الضعيفة ... إلخ.

في الحالة هذه أرى أن تحليل العوامل الموجبة لإحدى الحادثات الاجتماعية يسهل

إذا علمنا أن الحادثة الاجتماعية نتيجة عوامل مختلفة بعضها دائم والبعض الآخر

موقت، فأما العوامل الدائمة فإنها تؤثر في جميع الحوادث تأثيرًا ثابتًا مستمرٍّا، ومن

هذه العوامل عامل العنصر؛ أي الصفات الموروثة، وعامل الماضي؛ أي المشاعر الدينية أو

السياسية أو الاجتماعية التي ثبتت في روح الأمم في ماضٍ طويل، وأما العوامل المؤقتة

فإنها بالعكس تتقلب على الدوام، وإنما هي بتأثيرها في عامل الوراثة القليل التغير تتسم

بسمة ذلك العامل لا محالة، وهذا ما يجعل الشعوب المنتسبة إلى عناصر متباينة تسير

على أشكال مختلفة، عندما تخضع في زمن واحد لعوامل مؤقتة واحدة، ثم إن التاريخ

مع بيانه في الغالب أن الأمة الواحدة تستطيع أن تغير - ولو في الظاهر - معتقداتها

وأناظيمها وفنونها يبرز الماضي بالحقيقة من تحت تلك التغيرات، ويحول في الحال ما

أوجبته الثورات العنيفة من صور وأشكال.

يقتضي إذًا درس عامل العنصر وعامل الماضي اللذين يُغفل أمرهما عادةً لخفائهما،

فهما يؤثران في نشوء الأمم تأثيرًا فعليٍّا، فلو نظرنا إلى فرنسا مثلًا لرأينا أنه ينطوي تحت

الفتن السياسية التي اشتعلت فيها مبدآن ثابتان مشتركان بين الأمم اللاتينية مسيران

لأعمالها تسييرًا متشابهًا وهما؛ اعتقاد قدرة الحكومة على إصلاح كل شيء واعتقاد

سلطان القوانين المطلق، وبفعل هذين المبدأين اللذين سندرسهما في فصول كثيرة توسع

المذهب الحكومي، ونما المذهب الاشتراكي الذي هو كناية عن تفتح ذلك المذهب.

أوصاف عامل العنصر العامة قليلة؛ ولذا لم يكن البحث فيه كثير الصعوبة، فلقد

علمنا كثيرًا من أحوال سكان الولايات المتحدة ومستقبلهم عندما لاحظنا بعضًا من

أخلاقهم الأساسية كالنشاط والاعتماد على المجهود الشخصي والتفاؤل والاحتياج إلى

الحرية الفردية وتعود الاستنباط الشخصي الذي يغني عن تدخل الحكومة، فأدركنا

وجوب درس الأميركي مستقلٍّا عن حكومته لا درس هذه الحكومة أولًا للاطلاع على

حقيقته، فالأميركي لما ألُقِي حبله على غاربه تقدم في معترك الحياة غير معول على أحدٍ

مقررًا مصير نفسه بنفسه، وكذلك إذا بحثنا في الجمهوريات الأميركية اللاتينية الكئيبة

العاجزة عن الخروج من الفوضى الضاربة أطنابها فيها، نرى عددًا قليلًا من الأوصاف

النفسية الأساسية مهيمنًا على مجرى تاريخها.

يظهر من الإيضاح السابق أن معرفة العوامل الكبيرة العامة التي تعين وجهة

العوامل الأخرى تكشف القناع - ولو قليلًا - عن روح السياسة، وما خفت الصعوبة

بها كثيرًا، فبجانب العوامل الدائمة عدة عوامل مؤقتة يتيه أمام تعقدها كل عقل ومنطق،

فكيف نعين تأثير هذه العوامل المؤقتة؟

يكون ذلك بملاحظتنا أن في كل دور - عدا العوامل الكبيرة الثابتة التي أشرنا إلى

تأثيرها - عددًا يسيرًا من المبادئ الناظمة التي توجه الأفكار والأعمال نحو معنى واحد،

على هذا الوجه عيَّن مبدأ القوميات وجهة السياسة في دور الإمبراطورية الثانية، ويعين

مبدأ المساواة بين المراتب الاجتماعية وجهة الاشتراكية في الوقت الحاضر ... إلخ.

فمن الملاحظات السابقة نرى أن تكوين كل حادثة يتم بفعل كثير من العوامل المتفاوتة

في أهميتها، فشأن روح السياسة عبارة عن تعيين أهمية هذه العوامل، وتمييز الأساسي

بينها وطرح الثانوي منها.

إن طرح العوامل الثانوية في روح السياسة ضروري كما في العلوم، ولا سيما في

الفلسفة الطبيعية وعلم الفلك، وهو على نسبة هذه الضرورة كثير الصعوبة، فمما أوجبه

تقدم العلوم في الزمن الحديث اعتبار كل حادثة معقدة إلى الغاية، ولم يعد الناس علل

الأشياء بسيطة إلا لنقص في وسائل المشاهدة والاختبار عندهم.

وتتجلى فطنة العالم في إبرازه العوامل الأساسية لإحدى الحادثات، وتغاضيه عن

الأخرى، فما استطاع (كبلر) أن يوضح نواميسه إلا بطرحه الخلل الثانوي ذا التأثير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت