وعدا صفات العنصر نذكر عاملًا نفسيٍّا آخر، أي الماضي، فمن البديهي أن شعوبًا
سارت على نظام مركزي منذ قرون كثيرة وعلى رأسها حكومة مديرة لأدق شؤون حياتها
الاجتماعية والصناعية والتجارية حتى الدينية لا تكون برغائبها ومناحيها وميولها مثل
شعوب فتية ذات ماضٍ سياسي قصير غير شديد الوطأة.
لقد طبقت جميع حكوماتنا الملكية مذهب الاشتراكية الحكومية الذي يستحوذ علينا
كل يوم، ولو نظرنا إلى نظم (كولبر) الدقيقة لرأيناها فصلًا من كتاب يبحث في ذلك
المذهب، وبما أننا نعد الحكومة في الوقت الحاضر كآلهة حامية مجيرة، فجميع أحزابنا
وطبقاتنا تطالبها بالمداخلة في أمورها لتدافع عن منافعها، وأرباب المصانع هم أول
من طلب إليها أن تحميهم ليغتنوا من زيادتها ضريبة الجمارك ومنحها إياهم جوائز
وإعانات ... إلخ، ثم لما اعتز العمال بعددهم طالبوا الحكومة بحمايتها إياهم من أرباب
الصناعة، وكلما أجابتهم الحكومة إلى رغباتهم التي هي بنت نظام الحماية اقتربت البلاد
من الاشتراكية.
والحكومة لكي تنجز تلك المطاليب الزائدة سلكت سبيلًا استبداديٍّا في سلب أموال
الناس، فوضعت قوانين لحمل أرباب العمل على تأدية عمالهم رواتب تقاعد ولابتياع
السكك الحديدة، واحتكار صنع كثير من المنتجات، وستستمر على ذلك حتى يصبح
العمال من موظفي الدولة.
ثم إن المشترعين أخذوا يتدرجون إلى نزع الأموال من أيدي أصحابها بفرض ضرائب
فادحة عليهم غير عالمين أن هذا يؤدي إلى خراب الصناعات الكبرى، ومساواة الناس
في البؤس والشقاء، أي حدوث ما يحلم به كثير من ذوي النفوس المفعمة بالحقد على
الأفضليات.
ولم تكن العوامل التي ذكرناها كل ما تتحول به الاشتراكية، بل يجب أن نبحث
أيضًا عن كيفية انتشارها بين الجموع، وعن علة ما لبعض الألفاظ والصيغ من السلطان
الكبير على النفوس، ثم إن الاشتراكية علاوة على انتشارها بين الجماعات الجاهلة، تنتشر
بين الأساتذة وأهل الثراء من أبناء الطبقات الوسطى الراضين بنصيبهم، وهنا نضم إلى
تلك العوامل عامل روح الجماعات وعامل العدوى النفسية الذي نفسربه ذيوع المعتقدات
الكبيرة عند ظهورها.
يلوح لنا بعد أن علمنا كثرة العوامل في ظهور إحدى الحادثات الاجتماعية أن إدراك تأثير
هذه العوامل المتبادل عظيم الصعوبة، ولبلوغ ذلك طريقتان إحداهما بسيطة والثانية
معقدة، فالطريقة البسيطة - وهي كثيرة الاستعمال لبساطتها - عبارة عن تقدير علة
واحدة للحوادث، وإيجاد أدوية ظاهرة لمعالجتها جميعها، فإذا أبدى العمال استياءً من
سوء طالعهم تكون معالجة ذلك حسب هذه الطريقة بفرض ضريبة في سبيلهم على
دخل الأغنياء، وإذا تناقض سكان إحدى الممالك تتم مداواة ذلك بإرهاق العزب وإثقال
كاهل من ليس ذا ولد من أبنائها بالغرامات ... إلخ.
على هذا الوجه يتعقل أولو النفوس المحدودة النظر من الساسة، وقد أوجبت
سذاجتهم سن كثير من القوانين المضرة، فلننظر الآن إلى الطريقة التي يجب على الباحث
في روح السياسة أن يسلكها:
لما كانت الحادثة الاجتماعية تصدر في الغالب عن عوامل كثيرة - قريبة كانت أم
بعيدة - وجب على الباحث أن يعلم كيف يفرق بينها أولًا، ثم أن يقدر قيمتها المتقابلة
ثانيًا، هكذا يفعل العالم الطبيعي إزاء حادثة تشتق من علل كثيرة، غير أن مسعاه أخف
من مسعى العالم الاجتماعي؛ لأنه بتجاربه المكررة يقدر على تحقيق صحة استنتاجاته
الأولى، مع أن المشاهدة لا التجربة هي دليل العالم الاجتماعي في الحوادث الاجتماعية،
نعم إن التجارب الاجتماعية ليست قليلة إلا أنها تقع دون أن يكون لنا شأن في حدوثها،
ونحن لعجزنا عن تكريرها ترانا مضطرين إلى إيضاح أمرها فقط، وكل يعلم ما توجبه
هذه الإيضاحات من اختلاف في الرأي ونقص في اعتبار علم الاجتماع.
ولا يمكن تغيير قيمة عامل إلا إذا شوهد أنه يؤثر تأثيرًا متماثلًا في شعوب كثيرة
خلال أزمنة مختلفة، على أن تظل بقية العوامل ثابتة لا تتغير. وهذا النهج لكونه لا