فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 145

إذا كانت متينة محترمة، فقد ظلت عبادة روما التي كانت مثَل الرومان الأعلى سر عظمة

روما حتى اليوم الذي وهنت فيه هذه العبادة.

ونحن كذلك يجب أن نبذل جهودنا في الدفاع عن المبدأ الوطني الذي هو عنوان

نظامنا الخلقي، وقد أخذ هذا المبدأ في فرنسا يدك بفعل أكثر الاشتراكيين الذين يعلمون

أنه - وهو قطب البنيان الاجتماعي - إذا انهار فإنه ينهار البنيان الاجتماعي دفعة

واحدة.

ويتفرع من المبدأ المذكور كثير من المبادئ ولا سيما المبدأ القائل إن الأمة لا تعيش

من غير جيش وسلسلة مراتب واحترام للسلطة وتهذيب نفسي، وليس لدينا حزب ينكر

هذه المقومات حاشا حزب الثوريين، فالأحزاب جميعها تبتغي دوام البلد الذي تعيش

فيه.

إن حب الوطن هو الملاط الاجتماعي الحقيقي الذي لا قوة للأمة بغيره، والوطن هو

عنوان تراث القرون السالفة، ولما كنا لا نقدر على العيش بدونه فلنعش لأجله، وما حبب

زعماء الانقلاب التركي الحديث أنفسهم إلى الناس إلا لدعوة الناس إلى عبادة الوطن، جاء

في أحد بياناتهم أن «الوطن عند كل إنسان له ضمير حي أقدس من الأبوين وأعز من كل

شيء في العالم»

ومن دواعي الأسف أن عبادة الوطن التي قامت عليها عظمة روما وتساعد ألمانيا

على الضرب بسهم كبير في الرقي أخذت تضعف في بلادنا، وهي تنتشر بين الطبقات

المتعلمة في ألمانيا وفي أميركا بواسطة الجامعات وبين طبقات العامة بواسطة صغار

المعلمين، فهل نعتمد في فرنسا على الأساتذة والمعلمين ليأتوا فيها بمثل هذا؟ ذلك ما لا

نراه.

وإذا كان المعلمون ينضمون إلى النقابات التي تدعو الناس إلى الحقد على الجيش

ومقت الوطن فماذا ننتظر من الأجيال التي تم تهذيبها على يدهم؟ ومتى يجحد الناس

وطنهم ويعصون قوانينه فإلى أي الدعائم يستند المجتمع ليبقى حيٍّا؟

تلك هي الحقيقة، ولا يصيبنا تعب من تكرارها، فالاشتراكيون يكررون بيان

مبادئهم التي تكفر برأس المال والنظام الحاضر، وقد استطاعوا بفعل التكرار أن يقنعوا

الجماعات بصحة نظريات هم، حقٍّا لا ترسخ الحقيقة في القلوب إلا إذا كررت كثيرًا، فلو

كان المدافعون عن المجتمع الحاضر مشبعين من إيمان متأجج كإيمان الثوريين وكانوا

ينشرونه بهمة كهمة هؤلاء لانكسر هؤلاء بسرعة.

ولقد دنت الساعة التي يجب على كل واحد من حماة المجتمع الحاضر أن يصير

فيها رسول دفاع عن البيان الاجتماعي ضد بربرية الاشتراكيين المخربة، فلسوف يؤدي

انتصار هؤلاء إلى الإفلاس العام والحروب الأهلية وغزو الأجنبي البلاد، وقد أصبح الدفاع

عن الوطن ومحاربة الفوضى وظيفة يجب أن لا يتملص منها أحد.

وتكفي القواعد الأدبية التي تشتق من مبدأ الوطن لإقامة بنيان الأمة الاجتماعي،

وتتوقف قوتها على درجة تأثيرها في النفوس، فإذا اقتصر استنادها إلى القوانين وحدها

كانت ضعيفة.

وليست الدساتير والنظم والأساطيل والجيوش هي التي توجب التحامًا بين أجزاء

الأمة وتمنحها عظمة، فقوة الأمة الحقيقية في مثلها الأعلى، فالمثل الأعلى مع خفائه هو

الذي يوجد الأشياء المنظورة ويقود النفوس، والأمة لكي تنال مثلًا أعلى تجد قرونًا كثيرة،

وتقع في طور الهمجية عندما تفقد ذلك المثل.

وأشد عوامل الانقراض تأثيرًا فينا هو انحطاط الأخلاق، وقد كثر اليوم عدد الخواص

الذين ضعف خلق النشاط فيهم على رغم احتياجهم الكبير إليه فأصبح التردد والتنعم

سائدين لهم.

وأما الثوريون المتعصبون الذين منحهم تعصبهم نشاطًا فشديدو الخطر، وتنحني

العزائم الضعيفة أمام عزمهم القوي، ولم يبلغ خطرهم المبلغ الذي سيناله في المستقبل،

فالمجتمع الذي يسعون كل يوم في تقويض أركانه لا يزال قائمًا بفضل التقاليد الاجتماعية

المنتقلة عن الماضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت