فهرس الكتاب

الصفحة 145 من 145

ويظهر أن الأموات وحدهم أصحاب التأثير فينا، ولن تدوم معونتهم لنا، فسلطان

الماضي لا يبقى إلا إذا رأى له في الحال معينًا ثانيًا.

نرى بعد بياننا الطويل أن نطرق باب الاستنتاج، وسنفعل ذلك بإيضاحنا أن الحوادث

الطبيعية والحيوية والاجتماعية تابعة لضرورة مهيمنة.

إن عالم المعرفة اتسع أفقه منذ نصف قرن، وقد أضيفت إلى الاكتشافات التي وقعت

في أثناء هذه المدة نظريات لتفسيرها، ثم إن العلم الحديث يعدل عن اكتشاف عنصر

ثابت في العالم وعلامة لا تتبدل بتعاقب العصور، فكل شيء يتلاشى في نظره حتى إن

المادة التي ظن أنها خالدة خسرت أبديتها، وهكذا يقوم التقلب مقام الرسوخ والقرار.

ومن المتعذر اطلاعنا على علة علل الأشياء، وإنما الذي نستطيع معرفته هو ارتباط

الحوادث بعضها ببعض، وقد هدت التجارب (پوانكاره) إلى النتيجة الآتية البعيدة الغور

وهي» أن كل حقيقة في عالمنا النسبي كذب وإفك. «

والعلم بتركه الشروح البسيطة أقام مقام السنن العامة الكبيرة عللًا صغيرة كثيرة

إلى الغاية، وقد علمنا أن العالم الطبيعي والعالم الحيوي والعالم الاجتماعي من صنع

ذاتيات صغيرة، وأن هذه الذاتيات لا عمل لها ما دامت منفردة وتكون شديدة القوة عند

انضمام بعضها إلى بعض، على هذا الوجه قامت البلدان وتشكلت الأمصار، وطلع النبات

وبقيت الحياة وشاد البشر صرح المدنيات.

والعلم ببيانه شأن كثرة العلل وانضمام بعضها إلى بعض في تكوين الحوادث

وتطورها أثبت أيضًا أن الذاتيات المختلفة من ذرات طبيعية وخليات حيوية تبقى لا

تأثير لها إذا لم تؤلف قوى ناظمة بين أعمالها.

وفي نظرنا إلى عناصر الدائرة الطبيعية أو إلى عناصر الدائرة الحيوية أو إلى عناصر

الدائرة الاجتماعية نرى القوى الناظمة ضرورية لتعيين وجهتها، ومتى لا تؤثر هذه

القوى في تلك العناصر تصبح العناصر المذكورة غبارًا لا أهمية له، فالقوة الناظمة

لخليات ذوات الأعضاء هي الحياة، وحينما تقف الحياة يجيء الموت، والأمر كذلك في

أفراد المجتمع.

والقوى الناظمة للدائرة البشرية هي المعتقدات والمثل الأعلى ... إلخ، فهذه القوى

-وإن استطاعت أن تغير اسمها - لا تموت، وقد احتاجت كل أمة في أدوار التاريخ

جميعها إلى المعتقد والسيف والعلم والخيال، فإذا حرمت إحدى هذه القوى الناظمة

وخضعت لقوى مذبذبة ذات أهواء وردت مورد الهلاك.

ويشبه شأن ولاة الأمور في سياسة الأمم شأن العالم في سير الحوادث، فولي الأمر

كالعالم لا يقدر على غير إرادة ما لا يستطيع إيجاده من القوى الطبيعية ومحاربة هذه

القوى بقوى طبيعية مخالفة لها.

نذكر الإرادة من بين مختلف القوى التي يتمتع بها الإنسان لمقاتلة القوى المحدقة به،

فالإرادة هي التي أخرجت من العدم عجائب العلوم والفنون وكل ما تزهو به الحضارات.

ولو دققنا في سلسلة التاريخ وبحثنا عن الكيفية التي بلغت بها بعض الأمم أعلى

العز والعظمة وعن الصورة التي أكره بها قادة الفكر العالم على التسليم بأسرارهم

ومضمراتهم، لوجدنا ذلك كله تم بفعل إرادة متينة، ثم لو بحثنا عن السبب في هلاك

كثير من الأمم وفي خضوع روما التي كانت ملكة العالم لحكم البرابرة في آخر الأمر

لعلمنا أن ذلك نشأ عن ضعف الإرادة.

إذًا الإرادة سيدة الأفراد والشعوب، فلتكن غاية التربية تقويتُها لا إضعافها، وليست

الصعوبة في كسب الإرادة الموَقَّتَة بل في كسب الإرادة المستمرة، ولا تورث الإرادة القوية

النفوس يأسًا وقنوطًا، فبها ينسف الإنسان الجبال ويبتدع كل شيء.

وإذا كان التاريخ الحديث يدلنا على أمم ترتفع وأمم تقف، وأخرى تنحط فإن إنعام

النظر يدلنا على أن ذلك كله ناشئ عن تفاوت في إرادة تلك الأمم، فالإرادة لا القدر هي

المهيمنة على العالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت