يظهر أن روح الدفاع لا تتكون اليوم في الصفوف العالية من الطبقة الوسطى، بل في
صفوفها الدنيا كأصحاب الدكاكين وصغار الباعة، فقد أدرك هؤلاء الذين كثر تهديدهم
وقل الدفاع عنهم ضرورة اعتمادهم على أنفسهم، فأخذوا ينظمون شؤونهم للقيام بأعباء
النزاع، وهم الآن ينتسبون إلى النقابات ويؤلفون الجمعيات ويعزمون على تأسيس كتائب
لتحميهم مقتدين بالمثال الذي ضربته بلاد السويد.
ولا يختص ذلك بغير الدفاع المباشر ضد المظالم، ويكون أكثر أهمية لو كان قائمًا
على بعض المبادئ الثابتة القادرة على تسييرنا وإنارة السبل لنا وسط الفوضى التي تأكلنا
وعلى دفعنا إلى المناضلة ضد القوى التي تقوضب التدريج أركان البنيان الاجتماعي.
ومبادئ ثابتة كتلك هي التي تعوزنا، ومن يطالع الصحف يطلع فيها على حوادث
هي عنوان لأحوال نفسية ستلقي العجب في رجال المستقبل، فما أسخف ما قام به
المتظاهرون الذين حالوا مع نائبهم دون سير قطار (فيلنوف لروا) السريع طمعًا في
إكراه الشركة على إنشاء محطة لهم!
وحينما يصبح ازدراء القوانين أمرًا عامٍّا ويزول مبدأ السلطة ويضمحل النظام الذي
عليه تقوم الحضارة يدنو الوقت الذي يدرك فيه المجتمع من أساسه، ولا شيء جدير
اليوم بالاحترام غير القوة، فالموظف غطريس أمام رؤسائه والملاح أمام ربانه والعامل
أمام مستصنعه، وكذلك السلطات القديمة تفقد كل يوم مكانتها، فالقضاة لا يقضون
بالعدل ويحمون ذوي الثراء من اللصوص والحكومة لا تحافظ على أبناء الوطن ضد
ذوي العنف والقسوة، وهي لا تظهر نشاطًا في سوى اضطهاد الرهبان ونزع أموالهم
من أيديهم.
تلك حضارة تتداعى وماضٍ مجيد ينطفئ، وقد ظهر نظير تلك الحوادث في أواخر
عهد (الديركتوار) بعد فوضى استمرت عشر سنوات، نعم قد كفت يد نابليون الحديدية
لإعادة النظام، ولكن تلقاء كثير من الضحايا، وهل نحن في حال يمكننا أن نعود فيها إلى
القيام بمثل تلك التجارب؟
إذًا أين الوازع؟ وشطر من نولي وجهتنا؟ لنولها شطر أنفسنا لا شطر رجال
الحكومة والمشترعين، وماذا يفعل هؤلاء الحكام المشترعون الذين أضاعوا حريتهم
ومنزلتهم وقوتهم؟ إنهم لا يفكرون في غير إطاعة رغائب اللجان إطاعة العبد لمولاه.
وقد بيَّن الموسيو (ريمون پوانكاره) حديثًا أن النائب الذي يكون في بعض الأحيان
متكبرًا أمام البرلمان ليس سوى سمسار» لا يخطو خطوة من دون أن يسمع خشخشة
قيود استعباده «، ولا يتأخر طرفة عين عن» الركوع أمام سلطان لجان الانتخابات. «
وعلى ذلك فالنائب الذي انتخب فأصبح لا يبالي بغير تجديد انتخابه وصار لهذا
الغرض ينقاد لأحط غرائز الجموع هو بالحقيقة خطر على المجتمع.
ومن اللغو أن لا نعترف بأن العوام هم الذين بيدهم مقاليد الأمور، والعوام لما كانوا
يجهلون منافعهم الذاتية وقد استحوذ عليهم الحسد لا يحلمون بغير الاستيلاء على
الثروات التي هي بنت الذكاء وإلغاء جميع الأفضليات، وقد بلغ بهم الأمر مبلغًا جعلهم
يطلبون نزع رؤوس الأموال التي لا تترقى أية صناعة بدونها، وها إن ماليتنا تتقهقر
بتأثيرهم كل يوم إلى الإفلاس، وسيكون التاريخ قاسي الحكم على الأرقاء الذين يتبعون
مثل أولئك السادة من غير أن يسعوا في تنوير بصائرهم.
يظن عباد الحكومة الشعبية أنهم يجددون المجتمعات بالقوانين ويؤسسون المساواة
وينزعون الأموال من يد أصحابها، وقد بينا بطلان هذه النزعات التي يسعى إليها
مشترعونا بلا ملل، فمساعينا في تبديل السنن الطبيعية المقدرة وإقامة المساواة مع أن
الطبيعة تفرض التفاوت علينا هي في ضررها كسعي رب المصنع الذي يود أن يخرق
نواميس الحكمة الطبيعية والميكانيك.
والبحث هنا في القواعد الأدبية التي ستدير مجتمعات المستقبل لا يجدي نفعًا، فالواجب
يقضي علينا بأن نهتم على الخصوص بدرس القواعد السائدة لنا ووسائل دوامها وكيفية
الوقوف حيال الفوضى.
ليس من الضروري أن تكون المبادئ الناظمة القادرة على قيادة الشعب كثيرة العدد