فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 145

يفعل ابتياع سكك الغرب الحديدية سوى إثباته شأنهم المشؤوم، فالحكومة طمعًا في

تسكين تعصب بعضهم وجهلًا منها أن هذا الابتياع لا ينفع أحدًا أخذت على عاتقها نفقة

خمسين مليون فرنك في كل سنة، وستصبح هذه النفقة مليار فرنك بعد عشر سنوات

كما بيَّن أحد أعضاء مجلس الشيوخ الموسيو (بودنوت) .

ولكن ذلك لم يكن غير فاتحة الأمر، فسوف تزيد هوة العجز في الميزانية عمقًا بفعل

المبادئ التي تقود البرلمان، ولا نقول شيئًا عن القوانين التي لم تسن بعد كلائحة احتكار

التعليم الذي سيحمِّل الميزانية مئة وخمسين مليونًا من الفرنكات.

ومتى سلكت سبيل نزع الأموال سلوكًا استبداديٍّا فإنه لا يوقف عند حد، فقد كثرت

القوانين الحديثة المؤدية إلى نزع الأموال على رغم وضعها باسم الإنسانية، ولا يسع أي

قانوني أن لا يصف بتلك الصفة القانون الذي يكره شركات الخطوط الحديدية على

زيادة رواتب تقاعد العمال مع أنها كانت تمنحهم قبله رواتب تقاعد كبيرة، وكيف لا

يسعه ذلك وهو يرى زيادة نفقات سكة حديد (باريس - ليون - مرسيليا) وحدها

صارت عشرة ملايين كل سنة.

ولا يتطلب سن مثل هذا القانون إلا أن يهدد النقابيون البرلمان بالاعتصاب، وبما

أن البرلمان يذعن أمام الوعيد صار من السذاجة أن يعول عليه في الدفاع الاجتماعي.

رأى عمال السكك الحديدية درجة خضوع البرلمان لهم فاجتمعوا لوضع لائحة

يطلبون فيها زيادة أجورهم، وستبلغ هذه الزيادة ثمانين مليونًا من الفرنكات حسب

تقديرهم، ومن المفيد أن نبحث في ما تكلفه، فلو نظرنا إلى شركة(باريس - ليون -

مرسيليا)لرأيناها تكلفها نفقة خمسة وعشرين مليونًا من الفرنكات كل سنة، ولو قسَّمنا

هذا المبلغ بين أسهمها البالغ عددها ثمانمئة ألف لأصاب كل واحد منها 31 فرنكًا و 25

سنتيمًا فتأمل.

إذًا صاحب السهم الذي يربح اليوم 56 فرنكًا لا يربح في المستقبل غير 24 فرنكًا

و 75 سنتيمًا، أي أقل من نصف دخله السنوي، ومن العبث أن يعتمد على ضمان الدولة

للفائدة، فهذا الضمان سيزول سنة 1914

ومن الطبيعي أن يفرح الاشتراكيون بما يصيب أرباب الأسهم من الخسارة، ولو

بحثوا في الأمر لعلموا أن بعض هؤلاء الأرباب من العمال وصغار الموظفين الذين وفروا

شيئًا من المال في سنوات كثيرة لابتياع بضعة أسهم.

فليعلم أصحاب الأسهم المذكورون كيف يدافعون عن أنفسهم، وليسعوا في إيجاد

رأي عام بما يعقدونه من الاجتماعات العامة وبما يراجعون به ذوي النفوذ من النواب

الذين يأخذون على أنفسهم أمر الدفاع عن دخلهم المهدد.

إن أعمالنا الظاهرة في الغالب نتيجة قوى خفية لا نعرفها عادة إلا بآثارها، وهي لا تملي

علينا أعمالنا فقط بل تملي أيضًا الأدلة الضرورية لإيضاح هذه الأعمال.

وإذا دققنا في عوامل السير التي تقود أولي الأمر منذ ثلاثين سنة فإننا نراها ترد إلى

ثلاثة وهي: أولًا: الخوف الشديد من الناخبين، ثانيًا: اضطهاد الأقليات لنيل الحظوة عند

الناخبين، ثالثًا: تأثير المبادئ الاشتراكية، فلنبحث في فعل هذه العوامل الثلاثة.

فأما الخوف فقد بحثت فيه في فصل سابق، وأظن أنه لا يختلف في تأثيره العظيم

اثنان، فقد تجلى شأنه بأجلى مظهر منذ اعتصاب موظفي البريد الأول حيث رأينا الوزراء

والبرلمان يخضعون صاغرين لمطاليب عصاة الموظفين.

وكذلك عامل الاضطهاد لا أحد يجادل فيه، فإليه استند أكثر الوزراء في دوام

سلطانهم، جاء في إحدى الصحف الكبيرة»: استمر حكم (فالديك روصو) ثلاث سنوات

بفضل القانون المضاد للمحافل الدينية، واستمر حكم الموسيو (كومب) ثلاث سنوات

بفضل القانون القائل بإغلاق المدارس الدينية وطرد الرهبان، وبقي الموسيو (روفيه)

قابضًا على زمام الحكم بفضل قانون فصل الكنيسة عن الحكومة «.

ويمثل العامل الثالث وأعني به النفوذ الاشتراكي دورًا عظيمًا، فلقد تألفت من

نظريات الاشتراكية - بفعل التلقين والتكرار والعدوى - ديانة ذات تعاليم أقل تسامحًا

من المعتقدات القديمة، وصار الناس حتى الذين لا يؤمنون بها مشبعين منها بدليل أنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت