فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 145

لا يجرؤون على مقاتلتها، فكأننا اليوم في دور مشابه لقرون المسيحية الأولى حين لم يتم

لها النصر مع كثرة انتشارها.

أوجب نفوذ الاشتراكية سن كثير من القوانين الخطرة، ومنها القانون القائل باشتراء

خطوط الغرب الحديدية، وقد أدخل كثير من الراديكاليين مبدأ ابتياع تلك الخطوط في

برنامجهم تملقًا للاشتراكيين، ولما جاء وقت الاقتراع لم يتأخر الراديكاليون عن الاقتراع

له غير مبالين بنتائجه السيئة التي أخبر عنها علماء الاقتصاد.

ونشأ كذلك عن مبادئ الاشتراكية كثير من القوانين التي أوجبت انحلال معتقداتنا

الأدبية وتجارتنا وبحريتنا وصناعتنا، ومنها قانون العمل في المصانع الذي ألغى التخرج

فحول كثيرًا من التلاميذ إلى أوباش.

ستستمر تلك العوامل على عملها ما دامت الطبقات القائدة مثابرة على خمودها

وعدم مبالاتها، وسيكون للعوامل المذكورة تأثيرها في قانون ضريبة الدخل القائم تطبيقه

على مبدأ التفتيش، وقد اقترع له مجلس النواب، وهو الآن في مجلس الشيوخ تحت

المناقشة، فعلى سنِّه أو رفضه يتوقف دوام النظام الجمهوري، ففرنسا وإن تحملت كثيرًا

من الاستبداد لا تتحمل قانونًا كثير الجور كهذا القانون زمنًا طويلًا.

لا أحد يجهل أن تطبيق ذلك القانون ينكد حياة الأفراد، وإذا كان الأمر كذلك فما

هي الأسباب التي جعلت البرلمان يقترع لقانون مؤدٍّ إلى زعزعة ماليتنا؟ لقد أجبنا عن

هذا السؤال سابقًا، ولا يخلو تكرار ما سبق من فائدة.

لاستحسان ذلك القانون أسباب نفسية كثيرة: أولها وعيد لجان الانتخاب التي

تصورت لجهلها سنن الاقتصاد إمكانَ فرض الضرائب على طبقة دون الأخرى، ثم إن

طريقة التفتيش الأميري التي لا يُطبَّق القانون المذكور بغيرها من أسباب وضعه، ومن

أسباب وضعه ميل الاشتراكيين إلى الاطلاع على ثروات الناس كي يتسنى لهم عندما تكون

الأكثرية في جانبهم أن ينزعوا أموال المتمولين بقانون كالذي نزعت به أموال المحافل

الدينية.

يتوقف مصيرنا على ما ستفكر فيه الشبيبة وتقوله وتفعله، ولقد وصلت هذه الشبيبة إلى

ميدان الحياة الاجتماعية فرأت أمامها معتقدات الماضي منحلة ودعائم المجتمع متداعية،

وهي لما لم تجد مثلًا أعلى تدافع عنه وشاهدت سلسلة المراتب ونظم العائلة والملكية

والوطن والجيش من ثلمة اعتقدت أن كل مجهود عقيم، واعتقاد مثل هذا سيقضي على

الأخلاق التي صبر بها الناس على الاضطهاد والعنف.

وقد حركت هذه الحالة شهوات الثوريين الذين لا تقاليد لهم، والذين لا يفكرون

في سوى الساعة الحاضرة ولا يرون لهم مدار عيش في غير نهب الثروات التي اكتسبها

الآخرون بكد وعناء، فسرعان ما يصبح التعصب للشر قويٍّا عندما لا يقاومه التعصب

للخير.

ومع هذا كله لم تزل شبيبة الطبقة الوسطى خيرة أبناء الأمة لقبضها على زمام

العلم والصناعة والآداب والفنون، بيد أن الخيرة لا تبقى خيرة إذا فقدت أخلاقها، فلما

أضاع خواص الأمة الرومانية في العهد الأخير أخلاقهم المتينة لم يقدروا على مقاومة

مطامع البرابرة المتصفين بعزم قوي فضاع سلطانهم.

وعلى رغم ظواهر الأمور لا تكون منازعات المستقبل عبارة عن منازعات اقتصادية

فقط، بل ستكون منازعات بين المبادئ، وإن شئت فقل بين المشاعر الناشئة عن هذه

المبادئ أيضًا، ومع أن المشاعر التي تتألف من مجموعها أخلاق الأمة لا تتبدل إلا ببطء

شوهد أنها تطورت في غضون الأجيال عدة مرات، على هذا الوجه توصلت التربية إلى

تحويل ألمانيا في أقل من قرن واحد، نعم، إن معلمي المدارس لا يكسبون الحروب كما

يقال أحيانًا، إلا أنهم يقدرون على تكوين نفسية موجبة للهزيمة فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت