فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 145

قد يلوح لنا أن الاعتصاب العام وتمرد الموظفين من الأمور المشتقة من علل مختلفة،

ولكن إنعام النظر يدلنا على أنها بالحقيقة حوادث متماثلة ناشئة عن ناموس نفسي واحد

مشترك بين جميع الأمم، وهو أنه عندما تشعر إحدى طبقات المجتمع بزيادة نفوذها

تصبو في الحال إلى استعباد الطبقات الأخرى.

زيادة النفوذ التي هي مقدمة الابتلاع تقع عندما يزول التوازن بين عناصرالمجتمع،

وحياة الأمة كحياة الأفراد لا تدوم إلا بتوازن قواها المتقابلة، فإذا اختل التوازن وقع

المرض، وإذا استمر الاختلال وقع الموت.

وأقل نظرة إلى التاريخ تدلنا على أن نفوذ إحدى الطبقات الاجتماعية عندما يزيد

تميل إلى السيطرة على الطبقات الأخرى، فبعد أن استولت روما في العهد الإمبراطوري

على العالم بواسطة جيوشها، وزال التوازن بين مجلس شيوخها وبين الجيوش المذكورة

أصبحت هذه الجيوش سيدة لها، وقد زادت تلك السيادة حتى صارت الجيوش وحدها

تعين الإمبراطرة وتخلعهم.

وحادثة الابتلاع وقعت بعد زمن من قبل كثير من العناصر الاجتماعية كالأمراء

الإقطاعيين والإكليروس والملوك ... إلخ، فعندما كان التوازن يزول بين هذه الطبقات

فتبتلع إحداها الطبقات الأخرى كان الاضمحلال يصيب الطبقة المتغلبة أيضًا، فلما جهلت

الملكية في فرنسا قيمة التوازن غابت عن الوجود.

إذًا المبدأ القائل بالمحافظة على التوازن بين عناصر المجتمع وبعدم ترويج عنصر

على حساب العناصرالأخرى مبدأ سياسي أساسي، وإذا غابت الملكية عن الوجود لإنكارها

هذا الناموس فإن جمهوريتنا ستغيب أيضًا إذا تركت جمعية اتحاد العمال ونقابات

الموظفين تزيد نفوذًا.

يظهر مصداق الناموس المذكور في كل وقت، وقد أتت بلاد اليونان بدليل بارز عليه،

عندما تغلبت عليها إحدى الطبقات الرسمية فأوجب ذلك حكمها بنظام عسكري مطلق.

أضحت المناقشات الكلامية والخضوع عند الفتن أمورًا لا تجدي نفعًا، فنحن اليوم إزاء

أعداء ذوي برنامج واضح في التخريب، فإذا تم لهم النصرلا ينجو من شرهم أحد، قال

أحد كُتَّابهم»: النقابية الثورية هي ضد الجيش والوطن، «وحرَّض نائب اشتراكي - في

خطبة ألقاها حديثًا» شباننا الذين دعوا إلى الانتظام في سلك الجندية على الاقتداء -

بعمال برشلونة الذين رفضوا التجند وتمردوا على السلطة العسكرية. «

تلك هي الحرب التي يشهرها على النظام الاجتماعي زعماء طبقة العمال الذين

ينضوي إليهم بعض النواب وكثير من الموظفين والمعلمين، ومن يحالفهم - كما يفعل

بعض الأغنياء - رجاء استمالتهم يدل على جهله قواعد النفس، فحرب مثل تلك إما

أن تؤدي إلى نصر أحد الطرفين أو إلى هلاكه ولا وسط، ولا تُجتَنب الهزيمة بالمحالفة،

ففضلًا عما ينشأ عن المحالفة من خراب في آخر الأمر توجب عارًا في الحال واحتقار

الأعقاب في المستقبل.

إذًا لا تنفع تورية الخوف بخطب كاذبة في الإنسانية لا يثق بها أحد من القائلين

والسامعين، ولا شيء أبسط من طريقة الاشتراكيين الثوريين في الوقت الحاضر، فهي

عبارة عن الوعيد ونيل الرغائب بالوعيد، وقد بينت في فصل آخر أن ما تمليه من الخوف

هو أكبر العوامل في مقررات البرلمان.

سينتج عن التدابير التي يمللها الاشتراكيون انهيار ماليتنا، ولكن من الذي يبالي

بهذا الانهيار الذي نراه قريبًا ويرونه بعيدًا؟

على أننا نشاهد كل يوم نتائج القوانين التي وضعت بتأثير الفوضويين والاشتراكيين،

فقد نشأ عن ابتياع سكك الغرب الحديدية الذي وقع على رغم اعتراض غرف التجارة

إثقال كاهل ميزانية الدولة بدلًا من النجاح الذي كان يطمح فيه مقترحوه، وقد بيَّن

الموسيو (دومر) أن عجز تلك السكك 31 مليون فرنك سنة 1909 وسيكون 50 مليونًا

سنة 1910، وما كان مصير جميع المشاريع التي تقوم بها الدولة غير ذلك لفقدان التبعة

عند الموظفين ولعدم مبالاتهم في إدارتها كما يجب.

تزيد خسارة بيت المال التي يوجبها ذوو الأوهام من أصحاب العلوم النظرية، ولم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت