أشاطر دعاة المذهب الجديد رأيهم في ضرورة معاقبة الجناة - خصوصًا معتادي
الإجرام - عقابًا شديدًا، وإني أذكر ما كتبته قبل إزهار هذا المذهب في» المجلة الفلسفية «
حيث قلت:» إن الجناة جميعهم مسؤولون «وتوصلت إلى النتيجة القائلة بضرورة معاقبة
الجناة انتهازًا عقابًا جثمانيٍّا صارمًا والجناة اعتيادًا بالنفي إلى بلد بعيد نظرًا لتعذر
إصلاحهم وبينت أنه يمكن إدماج معتادي الإجرام في كتائب التأديب الملزمة تعبيد الطرق
ومد الخطوط الحديدية في وسط أفريقية.
تطبيقنا القليل لعقوبة الإعدام يجعلها ذات تأثير ضئيل، فاقتراف الجنايات يزيد كل يوم،
ولا يؤدي تقليلنا تطبيقها إلى نقص في ارتكاب الجرائم الأخرى، فيجدر بنا أن نعلم كيف
نكافح هذه الجرائم، إننا نجازي مرتكبيها في زماننا بعقوبات غير مجدية، أي بالأشغال
الشاقة وبالسجن، فأما عقوبة الأشغال الشاقة فتحولت بفضل مبادئنا في الإنسانية إلى
نزهة، وأما السجون فأصبحت مساكن مزينة، وقد بيَّن لي نائب عام في إحدى المحاكم
العليا أن السجون الحديثة تفوق مساكن كثير من متوسطي الحال لما فيها من وسائل
الراحة كالتنوير بالكهرباء والتدفئة بالأنابيب والماء الحار والماء البارد وغرف الاستحمام
وحدائق النزهة ... إلخ، ثم ذكر لي أنه رأى أناسًا يرتكبون جنحًا ليسجنوا في أشهر
الشتاء الستة في تلك السجون حيث يجدون جميع وسائل الرفاهة ما عدا الحرية.
ومع أن العقوبات في إنكلترة قصيرة المدة تطبق على المجرمين تطبيقًا شديدًا مؤثرًا
في نفوسهم، فهم يكرهون على الشغل الشاق ويجلدون بسياط ذات تسعة أذناب.
قللت هذه الطريقة عدد الجرائم في إنكلترة، وصارت لندن التي كانت تسكنها -
كما بيَّن الموسيو (لاكاسان) - عصابة من الأوباش لا تعرف هذه العصابة بعد أن جلد
من قبض عليه من أفرادها وتشتتت.
قال الموسيو (لاكاسان) : «نعلم أن باريس تتبع نظامًا آخر بفضل تساهل قضاتها
ونيابتها العامة، ولكن أي النظامين أفضل؟ أنظام العقوبات الجثمانية أم نظام الإفراط
في المسامحة؟ لا ريب في أن العقوبات الجثمانية هي أكثر تأثيرًا في معتادي الإجرام.
لقد سن نظام الجلد في الدانمارك سنة 1905 عندما كثرت فيها الاعتداءات على
الناس، وإنا لنرجو أن يُدخِل مشترعونا نظام العقوبات الجثمانية إلى فرنسا، بعد أن
أثبتت التجارب تأثيره الحسن في إنكلترة، ودلت على أنه خير من اللبث في السجن شهورًا
وسنوات.»
لا جرم أن تخفيفنا للعقوبات وعجز قضاتنا يؤديان إلى زيادة الجرائم، ومما يساعد
على تكاثر عدد المجرمين قوانين العمل في المصانع، فهذه القوانين لا توجب - كما بينت
في فصل آخر - غير بطالة ألوف من الفتيان الذين يرضون بمهنة الأشقياء، حينما يرون
أنفسهم عاطلين من العمل، وكذلك العناية التي يعامل بها المسجونون والمنفيون تزيد
الجرائم انتشارًا وجنايات القتل شيوعًا.
وفي اجتماع عقده مجلس بلدية باريس حديثًا أعرب أحد الأعضاء عن استيائه من
كثرة الاعتداءات الليلية في باريس، فأجاب والي باريس الموسيو (ليبين) أنها ناشئة عن
ضعف القضاة وعن العفو المستمر عن المجرمين، ثم ذكر» أن البلاد تحصد اليوم ما
زرعته منذ بضع سنين من بذور المذهب الإنساني الرحيم. «
وتفاقم المرض يسبب العلاج، فمتى تفاقم يلجأ ذوو الأذهان الثقيلة التي استحوذت
عليها العواطف إلى دروس التجربة، ومتى يكثر سفك الدماء في أحياء المدن الكبيرة،
وحينما تعيث عصابات الأشقياء في الأرياف والحقول فسادًا، ويتعذر على المرء أن يطوف
في باريس ليلًا من دون أن يتقلد سلاحًا، يفكر ولاة الأمور في اتخاذ تدابير كافية للمدافعة
عن أرواح الناس.
ولكن حينما يقع ذلك في وقت لا يكون فيه ما يكفي من قوانين العقوبات الشافية،
ويكون كل امرئ مكرهًا على الدفاع عن نفسه يصول الشعب - كما صرح مقرر اللجنة
القضائية في مجلس النواب - صولة شديدة، فيشرع في قتل الجناة من غير محاكمة.
قال المقرر المذكور: «إن قضاء الجماعات قضاء متهور شرس قاطع قاصم، فمن