الإنسان غير مسؤول عن أفعاله من الوجهة الفلسفية، ولكنه مسؤول عنها اجتماعيٍّا،
فالمجتمع لكيلا يرد مورد الهلاك مضطر إلى الدفاع عن نفسه، وليس عليه أن يبالي
بدقائق ما بعد الطبيعة فمع أن تجرد اللص القاتل من مزاج عقلي كمزاج (پاستور)
ليس من عمله، تختلف معاملة المجتمع له عنها لپاستور، وكذلك الضائن 1 مع أنه غير
مسؤول عن اتصافه بالأوصاف المعروفة، تحكم عليه أوصافه بالذبح من قبل الجزار.
احتاج الوقوف على الفرق بين التبعة الاجتماعية، وعدم التبعة الفلسفية إلى زمن
غير قليل، وقد اتضح هذا الفرق في المؤتمرات التي عقدت للبحث فيه ولا سيما في المؤتمر
الذي عقده أطباء المجانين سنة 1907 في جنيف، وإني أنقل هنا خلاصة الآراء التي قيلت
فيه ونشرها (غورمون) :
يجب إنزال العقاب على المجانين وأشباههم إذا خرقوا حرمة القوانين الاجتماعية
سواء مختارين كانوا أم غير مختارين، فإذا جاز ترك مبدأ التبعة الأدبية لا
يجوز ترك مبدأ التبعة الاجتماعية، وإذا اقترف الجاني الجريمة، شاعرًا كان
أم غير شاعر فهو خطر يقتضي نفيه من المجتمع، فلولا التبعة الاجتماعية لما
قامت حضارة ما.
وليس الأطباء وعلماء العقوبات وحدهم هم الذين يدافعون عن هذه
النظريات، فإليك ما قاله الموسيو (فاغيه) : هل (سوليان) مسؤول من الوجهة
الأدبية؟ كلا، إذ لا فرق بينه وبين أنواع الحيوان من حيث البهيمية وعدم وخز
الضمير وفقدان المبالاة، والمرء لكي يفعل مثل ما فعله (سوليان) يجب أن
يكون ذا نخاع شاذ مثل نخاعه، ونخاع (سوليان) لشذوذه يقتضي قطعه.
أرى عقوبة الإعدام أمرًا ملائمًا، فهي تنفع للقضاء على الوحش الضاري
الذي هو كناية عن خطر مستمر ولتهويل بقية الوحوش الضارية، وإني من
القائلين بإنزال أشد العقاب على الجناة ولا سيما على ذوي المرض منهم،
فهؤلاء أعظم الناس خطرًا وتشفي مجازاتهم كثيرًا من المرضى.
ومما لا مراء فيه أن أكثر المنحلين وأشباه المجانين والكحوليين ومختلي الشعور
يخافون العقاب وأنهم كلما زاد العقاب زادوا فزعًا، وهنالك فريق من الأوباش يجب أن
لا يتفلتوا من ساطور المقصلة أبدًا، وأعني بالأوباش أولئك الوحوش الذين يقتلون الناس
في الضواحي للقتل نفسه، فهؤلاء الذين يحكم عليهم بالحبس بضعة أشهر لا يلبثون أن
يعودوا إلى ما كانوا عليه بعد إطلاق سراحهم.
والحاجة إلى القتل للقتل نفسه تنمو ويشتد أمرها إذا لم يُقضَ عليها بعنف، فهي
ثمالة موروثة مستعدة للظهور في كل حين، والمتمدنون وأشباههم يقضونها بالصيد
الذي لم يكن بالحقيقة سوى مظهر من مظاهر الاحتياج إلى القتل، وقد وصف أحد أكابر
القضاة - وهو من الصيادين - نفسية الصياد التي لا تختلف عن نفسية الأوباش
القتلة إلا بتطبيقها على أنواع الحيوان بما يأتي:
الصياد يصمي الطريدة غير راحم، وهو يزيد لذة كلما أمعن في قتل تلك
الحيوانات الساحرة والطيور الجميلة اللطيفة، ولو أراد أن يردع نفسه عن
سفك دمائها لما استطاع، فيا للتعاسة والشقاء!
والوبش كالصياد يجد لذة كبيرة في القتل ولا يستطيع أن يزجر نفسه عنه، فلنقضِ
عليه قبل أن يقضي علينا.
وإنا لنلاحظ أن آراء الأطباء وعلماء الجزاء في الموضوع تغيرت في بضع سنين تغيرًا
كبيرًا، فقد كان الجناة منذ زمن غير بعيد معدودين من المجانين غير المسؤولين، وأما
اليوم - وإن كانوا يعتبرون من مختلي الشعور - يعدون مسؤولين جديرين بأن يُطبَّق
عليهم أشد العقاب، وإلا فلا يفيد اعتقالهم؛ لأنهم بعد أن يمر عليهم زمن قليل في المعتقل
يطلق سراحهم، فيعودون إلى ما اعتقلوا من أجله.
1 خلاف الماعز من الغنم.