فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 145

كان عظيمًا في البداءة، فلم يلبث أن صار ضئيلًا إلى الغاية، ثم كان هذا الأخير يسعى على

الخصوص في إيضاح النظم الاجتماعية الموجودة خلافًا لروسو الذي اقترح إقامة مجتمع

جديد، وقد اعتقد (روسو) - المتهوس الحليم - أن الإنسان كان سعيدًا أيام كان على

الفطرة فأفسدته النظم، وصار شقيٍّا، وأن من الصواب تبديل تلك النظم، واعتقد أيضًا أن

التفاوت مصدر كل عيب في المجتمعات، وأن البغضاء بين الغني والفقير علة الشقاء فيها

فقال بضرورة السيادة الشعبية لمعالجة ذلك، وهذا ما حاول أتباعه تحقيقه بوسائلهم

المعهودة عندما أثارتهم مقاومة الملك والأشراف والإكليروس فقبضوا على زمام الأمور.

ولم ينقضِ تأثير (روسو) بانقضاء الثورة الفرنسوية، فلقد أصاب الموسيو (لانسون)

حيث قال»: إن التقدم الذي تيسر للديمقراطية والمساواة والانتخابات العامة واضطهاد

الأقليات، ورغبات الأحزاب المتطرفة ومناصبة الثروة والتملك منذ قرون يلائم ما جاء في

كتابه «وسنرى أن (روسو) بالحقيقة حجة يحتج بها أكثر منه ملقنًا موحيًا.،

والسرعة التي انتشرت بها مبادئ (روسو) أيام الثورة الفرنسوية تستوقف النظر،

فقد طلب في العرائض العامة التي عرضتها أكثرية الفرنسويين على الملك سنة 1789

إلغاء الامتيازات الإقطاعية، وسن قوانين ثابتة وعدالة متماثلة ... إلخ، أي ما حققه

نابليون في قوانينه على وجه التقريب، وإذا لم يطالب الناس فيها بإبطال الملكية؛ فلأن

الملكية كانت محترمة عند الجميع، على أن المبادئ المذكورة - ومنها إلغاء الملكية - تم

لها النصر بعد ثلاث سنوات عندما قضى دور الهول على جميع ما أنكرته.

إذًا هنالك تناقض بين بياننا أن عمل المبادئ العقلية قليل في سير الحوادث، وبين

تأثير هذه المبادئ السريع في أثناء الثورة الفرنسوية، وإنا نزيد هذا التناقض بأن نقول

إن الناس في كل جيل مسيرون بمبادئ قليلة تكونت ببطء، وأن تلك المبادئ لم تبعث على

السير والحركة إلا بعد أن تحولت إلى مشاعر.

والواقع أنه لا أساس لهذا التناقض على رغم ظاهر أمره، فإذا تأصلت مبادئ أرباب

العلوم النظرية في عهد الثورة الفرنسوية بسهولة في روح الجموع؛ فلأنها قديمة العهد

لا لأنها حديثة، فالمبادئ الثورية لم تفعل غير دعمها بقوة القوانين ما كان موجودًا قبلًا

من مطامع ورغبات قد تكبحها مقتضيات الاجتماع، أو تلطف جذوتها دون أن تطفئها.

سلم الشعب في العهد السابق بسلطة الملوك وبالتفاوت في المعايش وقتما اقتضى

كيان المجتمع القديم ذلك، وصار الناس يعدون هذين المبدأين أمرًا طبيعيٍّا، ولكنه

حينما جاهر أولو الأمر الذين كانوا يستمدون نفوذهم من الملوك أن الشعب هو الحاكم

الحقيقي، وأن استبداده ينبغي أن يحل محل استبداد الملوك، وأن التفاوت في الثروة ظلم،

وأنه يجب توزيع أموال سادته السابقين على أفراده؛ آمن الشعب بصحة هذه المبادئ

بحماسة، وأضحى يعتبر كل من يحول دون تحقيقها عدوٍّا يستحق القتل. ولو أن حكومة

في الوقت الحاضر سنت قوانين تتيح القتل والنهب مستندة إلى أقوال بعض الفلاسفة

لجمعت في الحال عددًا لا يستهان به من الأشياع، وهتفوا لها كما هتفوا للحكومة التي

أمرت بالاستيلاء على أموال اليسوعيين كي تقسم بين العمال والأصدقاء، غير أن تطبيق

مثل هذه المبادئ قصير المدى، فالناس لا يلبثون أن يدركوا - كما أدركوا بعد بضع

سنين من نشوب الثورة الفرنسوية - أن الخراب لا الغنى هو الذي يعقب الفوضى،

وحينئذ تبحث الأمة مثلما بحثت في تلك الثورة عن حاكم مطلق نشيط قادر على إنقاذها

من براثن الارتباك وقلة النظام.

كثيرًا ما يأخذ الناس الوهم في فائدة شأن الحكومات وحدود هذا الشأن غير عالمين أن

الحكومات قلَّما تأتي بالخير وكثيرًا ما تأتي بالشر، وليس علينا أن ندافع اليوم عن أنفسنا

إزاء مقتضيات الاقتصاد الشديد وحدها، بل إزاء إفساد المشترعين الذين يضعون الأنظمة

والقوانين بتأثير اندفاعات الوقت كما سنبين ذلك، ومن أعمالهم القوانين الاجتماعية التي

تعوق الصناعة من غير أن تؤدي إلى إثراء أحد، ومنها القوانين التي تقيد تعلم الحرف

فتوجب طرد صغار الصناع من المعامل وتحويل عدد غير يسير منهم إلى لصوص وقتلة،

كما تدل على ذلك زيادة الجرائم التي يقترفها الأولاد، ومنها الاضطهادات الدينية المتوالية

ونزع مال الإكليروس، ومنها القوانين الجمركية التي سوف تقضي على تجارتنا الخارجية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت