التاريخ، وأدت إلى قتل ملايين كثيرة من الرجال، وإلى انحطاط مستعمراتنا انحطاطًا
محزنًا، وإلى انتشار الاشتراكية بيننا انتشارًا خطرًا.
وما استطاع شيء أن يزعزع تلك العقيدة الهائلة، فلا نزال نطبقها بدقة على سكان
مستعمراتنا الذين ألقاهم طالعهم السيئ بين أيدينا لنعاملهم بما يزيدهم بغضًا لنا
وتمردًا علينا، وقد نشرت الصحف مؤخرًا مثالًا على تلك السياسة العمياء بنقلها بضع
عبارات من المنشور الذي نشره حاكم شاطئ العاج على موظفيه، فأوجب به عصيان
هذه المقاطعة وقتل كثير من الضباط وسوق جيش من فرنسا لإعادة النظام.
يثبت المنشور المذكور عجزنا العضال عن العلم بأن روح الشعوب لا تتغير بقوة
يجب»: المراسيم، وأن الأنظمة التي تنفع أمة قد تضر أخرى، فإليك بعض ما جاء فيه
أن يتقدم سكان مستعمراتنا على رغم أنوفهم، وما عجز عنه الإقناع والدليل من التأثير
فيهم فالقوة تفعله، ألا فليغير الزنوج مزاجهم النفسي ليفقهونا، فلا تعاملوهم بمقتضى
العاطفة، ولنضرب برغباتهم عرض الحائط، ولنمضِفي عملنا غير وجلين حتى نصل إلى
الغاية المنشودة، ولا نخشى نتائج عملنا وإن احتقرْنا عاداتهم المنافية لكل رقي «.
وعندي أنه يجب تغيير أفكار الحكام الإداريين الذين يجرؤون على إذاعة مثل ذلك
المنشور قبل تغير أفكار الزنوج، وقد نال حاكم تلك المقاطعة» الذي لم يخشَ نتائج
عمله «درسًا صارمًا من الحوادث التي وقعت، ولكن فائدة هذا الدرس لم تعم، فمن
خصائصالمعتقد أنه لا يتبدل بالبرهان والتجربة، ولا فرق في ذلك بين المعتقدات الدينية
والمعتقدات السياسية، وإن كان أجل هذه أقصرمن أجل تلك.
تقدُّم علم النفس في الوقت الحاضر يثبت لنا ما للعقل من الشأن الضعيف في نظام
المجتمعات ومعتقداتها وسيرها وإن زعمت جميع الحكومات أنها تستند إليه في أعمالها.
أن للمنطق - خلافًا لما جاء في كتب الفلسفة «الآراء والمعتقدات» وقد بينت في كتاب
المدرسية - أنواعًا تختلف عن المنطق العقلي اختلافًا تامٍّا، نذكر منها المنطق الديني
والمنطق العاطفي على الخصوص، ولا يعبر بأحد تلك الأنواع عن الآخر مطلقًا، فأما
المنطق العقلي فهو ركن المعارف ولا سيما العلوم، وأما المنطق العاطفي والمنطق الديني
فعليهما تقوم المعتقدات؛ أي عوامل السير والحركة في الأفراد والشعوب. ويسيطر المنطق
العقلي على دائرة الشعور حيث تفسر أعمالنا، وفي دائرة اللاشعور - حيث يهيمن المنطق
العاطفي والمنطق الديني - تنضج البواعث الحقيقية لهذه الأعمال.
سذاجة رجال الإصلاح التي لا حد لها تمنعهم من أن يدركوا أنَّ الأنظمة لا تقوم
على أدلة عقلية، غير أن هذه الحقيقة بدت في هذه الأيام لأقطاب السياسة الإنكليزية، فقد
صرح حديثًا أحد وزراء بريطانيا في البرلمان بأن أعظم ما يمتاز به دستور إنكلترة عدم
قيامه على العقل والبرهان، هذا هو سر قوة ذلك الدستور، والسبب في ضعف دساتير
فرنسا الكثيرة الناشئة عن ثوراتنا التي أوقدناها منذ قرن هو قيامها على ما يقتضيه
العقل النظري.
وهذا البيان لا تستمرئه نفوس اللاتين فلا يجدي الإسهاب فيه نفعًا، وإني أكتفي
بأن أذكر أن ما تتألف منه لحمة حياة الأمة من ديانات وحكومات لم يقم على الأدلة
والبراهين، وأن شأن أقطاب السياسة ينحصر في معرفة مداراة المشاعر للتأثير في الرأي
العام. نعم تدل الظواهر على أنهم يؤثرون بما في خطبهم من المعقول، ولكن سوف نرى
أن للإقناع منهلًا آخر، فالجماعات لا تتأثر من انسجام الخطب المنطقي أبدًا، بل مما
تورثه بعض الكلمات في نفوسهم من صور عاطفية، وإذا سلمنا بأن الخطبة العقلية
الخالصة قد تقنع النفس، فإن هذا الإقناع لا يدوم طويلًا ولا يكون باعثًا على السير
والحركة.
ولكن بأي شيء نوضح الانقلابات الأساسية التي نشأت عن المبادئ العقلية السائدة
للثورة الفرنسوية، إذا لم يكن المنطق العقلي هو الذي يقود الرجال، ويؤدي إلى تحول
معتقداتهم؟
قبل أن نثبت أن هذا التناقض ظاهري نقول إنه لم يكن للثورة الفرنسوية عالم
نظري من أرباب التأثير والنفوذ سوى (جان جاك روسو) ، وأما تأثير (مونتسكيو) الذي