مستعملة في أميركا منذ عشر سنوات، فلو لم يتم إيجاد الآلات الحديدية فيما مضى
لشككت في إمكان إحداثها في الوقت الحاضر حيث نفسية ولاة الأمور وضعفهم كما
رأيت.
وأمثلة مثل تلك ضرورية لمن يعتقدون أن الجموع قادرة على التعقل، ولا ريب في
أن أفضلية زعماء اتحاد العمال في إدراكهم أن الجموع لا تتعقل، وأنها لا تطيع غير ذوي
القوة أو النفوذ، وهم اليوم يرفضون نظام الانتخاب العام، ويطالبون بحقوق الأقليات،
أي بحقوقهم، وسوف لا يمضي زمن كبير حتى يتم أمر تلك الحقوق القليلة الديمقراطية
والجماعات ترضى بها طائعة غير مكرهة.
ليس خطر الحركات الثورية بما توجبه من العنف فقط، بل في الفوضى النفسية التي
تنتشر بفعل العدوى بين جميع الطبقات أيضًا، فبالعدى اعتصب موظفو البريد واعتصب
جلاوزة بلدية ليون وتمرد المعلمون وتأسست نقابات الموظفين ... إلخ.
والحكومة لما كانت تخضع إزاء الوعيد جعلت العصاة يعتقدون أنه كافٍ لنيل
الرغائب، وبما أن المنافع المتناقضة تجاذبت المشترعين وصار هؤلاء يرون في كل عاصٍ
ناخبًا ضربوا بمقتضيات الاقتصاد عرض الحائط وأخذوا يسنون قوانين متباينة حسب
رغائب المتمردين، فمع أن هؤلاء المشترعين يأسفون على نهب المصانع وقتل الجنود
وتقويض الصناعات يرون أن يعاملوا العصاة بالحلم والمسامحة، أي بسن قوانين
يظنونها كافية لرجوعهم إلى العمل راضين مسالمين وبالعفو عمن قتلوا النفوس وحرقوا
المعامل في أثناء الاعتصاب.
وهكذا يطرأ على البرلمان والطبقة الوسطى حالة نفسية خطرة مؤدية إلى ما نعانيه
من الفوضى، وقد أشار الموسيو (ريمون پوانكاره) إلى نتائج ذلك في خطبة نفسية جاء
فيها ما يأتي: «نظل جاحدين بالسراب الذي يقول الاشتراكيون إن تحقيقه يؤدي إلى
تمتع البشر بالمساواة التامة والراحة الكاملة، ولكن ألم نسهل عليهم عملهم من حيث لا
نشعر؟ نعم إننا نهزأ بأوهامهم ونحتج على سياستهم المضلة، إلا أننا نسعى في تسكين
ثائرهم بمنحهم أنواع الهبات.»
وإنا لنحزن على أن هذا القطب السياسي نفسه أتى بعمل يدل على سلطان تلك
الحالة النفسية القاهر الذي أشار إليه في خطبته، فمع أن زملاءه في مجلس الشيوخ
اعتمدوا عليه في إخفاق المشروع الخطر القائل بابتياع خطوط الغرب الحديدية خيب
آمالهم فامتنع عن النضال.
من ذلك نشاهد تناقضًا بين أقوال أولياء الأمور وبين سيرهم، وقد رأينا رئيس وزراء
يحتج في خطبة ألقاها على «هذر النقابات الجنائي» ، ثم علمنا أنه «لم يكف عن معاونتها
بمال الأمة وإن كانت تدعو الناس إلى المبدأ القائل بعدم التجنيد.»
فمن أوصاف الأمم اللاتينية في الوقت الحاضر فقدان الإرادة وانحطاط الخلق،
وبانحطاط الخلق لا بانحطاط الذكاء غابت الأمم العظيمة عن التاريخ كما هو معروف.
للحوادث - عدا عللها الظاهرة المباشرة - علل خفية بعيدة، ويشبه ذلك ما في البزور
الظاهرة من أشجار خفية، فعلى ما في الأزمات السياسية الحاضرة من عنف جالب للنظر
تنشأ عوامل أخرى، أي إنها عنوان اختلال عميق في النفوس.
ويكفي المرء أن يدير الطرف حوله ليعلم أن الانحلال في الوقت الحاضر أصاب
جميع القوى الأدبية التي هي قوام الأمة: أزمة في العائلة التي تتفكك عراها ولا يكثر
أفرادها إلا ببطء، وأزمة في الاحتياجات التي تزيد مع نقص في وسائل قضائها وأزمة في
السلطة التي لا يحترمها أحد، ومبدأ في المساواة منكر لجميع الأفضليات، وأزمة الأخلاق
التي يوجب انحطاطها زيادة اقتراف الجرائم، وأزمة في الإرادة التي تهن كل يوم، وأزمة
في الموظفين الذين يتمردون، وأزمة في القضاة الذين لا يجرؤون على إقامة العدل، وأزمة
في المعلمين الذين يعلمون الفوضى، وأزمة في النقابات التي تعمم السخط والاستياء وتقول
بالحقد على الوطن والجيش ورأس المال والكفاءات ... إلخ.
ولو نظرنا إلى السلم الاجتماعي لرأينا النظام يزول ومبدأ السلطة يضمحل في جميع
درجاته، ومن دواعي الأسف أن القادة لا يقابلون هذا السقوط بغير التسليم وأن أصحاب