الأمر والنهي في الماضي لا يفكرون في غير الانقياد والخضوع.
وقد أورد أستاذ التاريخ في الصوربون الموسيو (أولار) مثالًا جديدًا على تلك الحالة
الروحية، وأجدر بالموسيو (أولار) أن يستدل بهذا المثال على روح الجماعات أكثر مما
بتلال الأوراق الباطلة التي جمعها للبحث في الثورة الفرنسوية.
اضطر ذلك الأستاذ المغرم بفضائل الجماعات إلى إيداع صندوقه في إحدى محطات
باريس الكبيرة على أن يطالب به في اليوم الثاني، وعندما أتى لتسلمه كان في محل
الاستيداع أربعة نقلة يمشون ذهابًا وإيابًا بهدوء، فقرأ هؤلاء الأربعة على سيماه أنه ليس
من السياحين الذين يرجى منهم حلوان فاستمروا على مشيهم غير مبالين به، ولما أخذته
العزة شكا الأمر إلى رئيس النقلة فاعترف للأستاذ بأن الحق في جانبه، وقد أضاف إلى
ذلك قائلًا إنه لا سلطة على مرؤوسيه وإنه لا يقدر إلا على تسليمه الصندوق بنفسه،
ونقله إلى باب المحطة فقط، وبعد أن شعر النقلة بما تم سخطوا على رئيسهم لأنه
حرمهم حلوانًا ضئيلًا وأشبعوه سبٍّا وشتمًا منذرين إياه بترك الصندوق في محله فخضع
لهم معتذرًا.
أعلم أنه لا ينبغي أن يعتمد على ما يقوله أساتذة التاريخ الذين يقدرون على جمع
الوثائق أكثر مما على شرحها واستخراج العبر منها، ولكن هذا لا يمنعنا من تصديق
ذلك الحادث الذي لم يكذبه من يهمهم الأمر والذي يقع كل يوم ما يماثله.
لا تظهر الفوضى الاجتماعية بين طبقات المجتمع الدنيا وحدها، بل تظهر بفعل العدوى
النفسية بين المحافظين أيضًا، فلقد آخى مطران باريس أحد زعماء جمعية اتحاد العمال،
وفي مؤتمر كاثوليكي دافع أحد القساوسة بحماسة عن حق الاعتصاب، أي عن تمرد
الموظفين، جاء في جريدة الطان»: أن بين القساوسة من يدافعون عن أكثر المبادئ وقاحة
وأشدها مقتًا للمجتمع وأعظمها فوضى «.
ولا فرق بين الاشتراكيين المتطرفين وبين المحافظين الذين يجب أن يكونوا حماة
المجتمع في الميل إلى نيل حظوة دنيئة عند العوام، قالت تلك الجريدة»: يساعد المحافظون
على تقويض النظام الاجتماعي الذي يستفيدون منه أكثر مما يستفيده غيرهم، ولو دققوا
في الأمر لعلموا أنهم واهمون في سعيهم على هذا الوجه وراء نفعهم السياسي، فالنقابيون
والثوريون هم الذين ينتفعون منهم دون أن يمنحوهم شيئًا «.
ويتجلى شيوع الفوضى عندنا بانتشار المبادئ اللاوطنية، ويتظاهر وزراؤنا في
خطبهم التي يمذدحون بها المعلمين وأساتذة الجامعات بمظهر المعتقد أن دائرة انتشار
المبادئ اللاوطنية القائلة بعدم التجنيد ونزع السلاح محدودة إلى الغاية، وماذا يقصدون
بالإيهام وإخفاء الحقائق؟ وهل الشفاء في كتم المرض؟
لم يتردد الموسيو (ريمون پوانكاره) على رغم حذره في بيان تفاقم المرض في خطبة
ألقاها حديثًا، فبعد أن ذكر أن أولئك اللاوطنيين الذين يأبون الدفاع عن فرنسا ضد
الأجنبي يدعون الناس بحماسة إلى إيقاد نار الحرب الأهلية كي يتم النصر لحزبهم قال:
هل الموسيو (هيرفي) رجل شاذ في طباعه غريب في اتباع أهوائه؟ استقصاؤنا
في مذاكرات بعض المؤتمرات يدلنا مع الأسف على أنه لم يكن وحيدًا في أفكاره
وطرز بيانه، وإننا لا نبالغ في تأثيره ولكننا لا نرى أن نبيد هذا التأثير بإنكاره.
بينما ينتهك الموسيو) هيرفي (بمقالاته الحرمات ترون(بيبل) يقول في الريشتاغ
: «ثقوا بأنه إذا هوجمت ألمانيا فإن جميع أبناء الوطن يتقلدون
السلاح ويزحفون إلى العدو، فالوطن وطننا، وإني أقسم لكم أننا سندافع عنه
حتى نبيد أو ننتصر.»
وكيف لا نتذكر إزاء لهجة ذلك الاشتراكي الفرنسوي، ولهجة هذا
الاشتراكي الألماني قول (إدغاركيني) : «إذا صارت فرنسا أممية تصبح مطية
أهواء جميع الأمم.»
نعم يجب أن نحفظ هذه الكلمة، فليست اللاوطنية في زماننا الذي نحن
فيه وفي أوربا التي نعيش فيها سوى مبدأ غش وتدليس، وهي لا تليق إلا
بجزيرة وهمية لا ماضي لها - كالتي حكى عنها (فالديك روصو) - واقعة