فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 145

المتحمسين وخريجي المدارس الساخطين ومحبي الإنسانية المتنضحين وجيش من البلهاء

الذين يتبعون كل ناعق.

والمعتقدات الحديثة كالاشتراكية والفوضوية والنقابية تقوم على الشكل الذي يرى

به أتباعها المستقبل، فهذا الشكل على ما فيه من وهم هو عامل قوي في السير والحركة.

وينشأ إقدام الأحزاب الثورية الزائد من جبن أولي الأمر الذين ما أشأم مبدأهم في

الإنسانية، وقد أصبحت نتائج هذا الضعف بادية لكل ذي عينين، ففي كتاب نشره الزعيم

الاشتراكي الموسيو) جورج صوريل (وسماه» تأملات في سياسة العنف «جاء ما يأتي:

» إن أكبر عامل في السياسة الاجتماعية هو ضعف الحكومة، وما احتاج زعماء النقابية

إلى زمن طويل كي يدركوا ذلك، فهؤلاء يعلمون العمال أن لا يطلبوا منحًا وهبات إلى

أبناء الطبقة الوسطى، بل عليهم أن يفرضوا على الطبقة المذكورة مطاليبهم معتمدين

على نذالتها، وسياسة اجتماعية قائمة على نذالة الطبقة الوسطى التي تخضع إزاء الوعيد

والتهديد مؤدية - لا محالة - إلى شيوع الرأي القائل إن هذه الطبقة محكوم عليها

بالموت، وإن زوالها إن لم يقع اليوم فغدًا واقع «.

وكلما زاد شعور الاشتراكيين الثوريين بالخوف الذي يلقونه في أولي الأمر زاد

وعيدهم، ويمكن الاستدلال على ذلك بالبرنامج الجديد الذي نشره «حزب اتحاد مقاطعة

السين الاشتراكي»، فقد جاء فيه: «أن الحزب يتخذ لدوام نضاله - الذي لن ينتهي إلا

بالقضاء على المجتمع ونظام التمول وبقبض الصعاليك على مواد الإنتاج وآلاته - جميع

وسائل العمل من اشتراك في المعارك الانتخابية وقيام بالاعتصابات العامة وتحريض على

التمرد.»

ولا نطالب هؤلاء القساة المتعصبين بالإجابة عمَّا ينشأ عن تحقيق أحلامهم من

النتائج، فهم لا يرون أبعد من أنوفهم ولا يفكرون في غير التخريب، مع أن آلهة شريرة لو

حققت جميع الآمال الثورية دفعة واحدة، وغيرت المجتمع حسب أهواء النقابيين لأصبح

نصيب العامل عندئذ أسوأ منه الآن.

لا يهتم الثوريون بالمستقبل البعيد وتنحصر عنايتهم في تهييج العوام، وكثيرًا

ما ينجحون في ذلك، ويخطئ الاشتراكيون الدستوريون في ظنهم أنهم يستغلون ذلك

ويضلون ضلالًا كبيرًا عندما يتصورون أنهم يهدئون ثائر الفوضويين بهبات لا يعبأ

هؤلاء بها كابتياع السكك الحديدية وفرض ضريبة على الدخل، وهل من شك في الجهة

التي تتجه إليها جموع العمال، أنحو واضعي تلك الإصلاحات الباطلة أم نحو النقابات

الثورية التي لا تقترح سوى هدم المجتمع بحرب أهلية؟

يوجد - عدا العوامل الاقتصادية التي لا أبحث فيها هنا - عامل واضح في اتجاه

طبقات العمال نحو الثوريين، فالجموع لا تتردد في الاختيار بين ولاة الأمور الخائفين

الذين يذعنون أمام كل وعيد وبين أوتوقراطية جمعية اتحاد العمال، أي إنها تتجه

بغريزتها نحو الجهة التي تتجلى فيها السلطة القوية التي لا يزلزلها شيء.

ولا يسعنا إنكار ما للنقابية الثورية من قوة عظيمة، فالنقابية الثورية تسوس

جموع العمال الرازحين تحت نيرها بطرق لا يتخذها أشد المستبدين، ومع قلة كلام

رجالها يعرفون كيف يطاعون من قِبَل أكثر الجموع تمردًا على النظام في الظاهر، هم

يتركون الخطب المطولة لضعفاء القلوب ولا يرون لهم غير السير والحركة دليلًا، ولهم

لجنة عامة تصدر التعليمات وتأمر بالاعتصابات، وهي تبلغ العمال أمر الاعتصابات

بواسطة مفوض غير مكلف ببيان الأسباب، ومن يخالف من العمال أمر الاعتصاب يقتله

زملاؤه، ومن منا يجهل قصة ذلك العريف الذي اجترأ في (هير سيرانج) على البحث عن

ثيابه بعد أن طردته النقابة، فلم ينجُ من القتل إلا على يد رجال الشرطة الذين أنقذوه

من زملائه العمال في حالة يرثى لها؟ وما كان غير ذلك مصير أحد عمال التبغ الذي

رضي براتب أعظم من الراتب الذي قررته النقابة.

تطاع أوامر اللجنة ولو كانت على جانب عظيم من الغباوة وقلة الصواب، فقد ظل

العمال في (هازبروك) معتصبين شهورًا كثيرة كما أمرهم أحد مفوضي النقابة، وعلة هذا

الاعتصاب هي أن أحد مديري مصنع الحياكة أراد استبدال آلاته القديمة بآلات متقنة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت