وطني - فلا عمل له في هذا الرقي، وقد غاب الألماني الخيالي عن الوجود، فأنت
لا تراه الآن يقضي أوقاته بالمناقشات الفلسفية، وإنما تراه منكبٍّا على تأسيس
المصانع والمصارف والمرافئ وعلى جميع ما يوجب إيساره بسرعة، وما فاتني
الوقت الذي كان الألماني فيه فقيرًا معتبرًا أكل اللحوم من الكماليات والذي
كان فيه لا يسيح إلا في الدرجة الثالثة، ولا يبيت إلا في الفنادق المنحطة، وأما
اليوم فأرى الألماني موسعًا مرفهًا نفسه، وهو كجميع حديثي النعمة أصبح
وقحًا فظٍّا، وإني أعترف بأن الحق في جانب مستخدمي خطوطكم الحديدية
لتذمرهم من غلظة الألمان الذين لا عهد لهم برقة حضارتكم المتقدمة.
هذه نقيصة لا ريب فيها ولكنها لا تعدم الألماني شيئًا من مزاياه. فللألماني
المقام الأول بآلاته ونظامه وتربيته الفنية، وها هو الآن يزاحمكم في عقر داركم
مزاحمة شديدة ويبتلع صناعاتكم واحدة بعد الأخرى كصناعة المنتجات
الكيماوية وعدسات التصوير المرئية، والموازين الدقيقة وأدوات الكهرباء ...
إلخ، وقد أخذ يقيم في بلادكم مصانع درءًا لحواجزكم الجمركية التي سوف لا
تجدي نفعًا.
وما ترونه في (كوت دازور) ترون إذًا مثله في أمكنة أخرى، والآن نسعى في
استعمار مراكش كما استعمرنا أجمل بقعة في سواحل البحر الأبيض المتوسط،
حقٍّا إن مسألة مراكش التي لم تدرك صحفكم شيئًا من أمرها بسيطة إلى
الغاية، فنحن لا نرى أن نفتتح هذا القطر وننفق في سبيل افتتاحه دراهم
كثيرة بل تركنا لكم شرف ذلك مكتفين بردعكم عن منعنا من الاتجار معه،
وليس على ألمانيا أن تخوض غمار حرب للوصول إلى هذا الغرض بل كفاها
لبلوغه تهديدكم، وهي تنتظر اليوم الذي يتم فيه انحلال فكرة الوطن فيكم
على يد رجالكم القائلين بالسلم وعدم التجنيد والتسليح لتشهر الحرب عليكم،
وحينئذ لا تحتاج إلا إلى مجهود قليل كي تملي عليكم مطاليبها.
لا نخشى إنكلترة من الوجهة التجارية والوجهة الصناعية، وإنما هي التي
تخشانا من هاتين الوجهتين، ولربما كانت محاربتنا لها أمرًا لا مفر منه.
نحن لا نود تدويخ قطر كمراكش، فلقد أصبحت (همبرغ) لا تسد حاجتنا،
وصرنا مضطرين إلى مرفأ حربي تجاري كبير، وقد أدرنا الطرف يمينًا وشمالًا
فلم نجد في جوارنا مرفأً غير مرفأ (أنفرس) حائزًا للوصف المذكور، ومع كثرة
بيوتنا التجارية ومشاريعنا البحرية ومصارفنا في (أنفرس) نرى أن ذلك لا
يكفي في مرفأ كهذا قريب من إنكلترة، بل يجب أن تقترن سلطتنا التجارية
فيه بسلطتنا العسكرية، ويعرف البلجيكيون هذه المطامع فقد فصلها القطب
السياسي الموسيو (أدمون بيكار) في خطبة ألقاها في البرلمان البلجيكي، ولا
ننكر أن البلجيك تقدر باتحادها مع هولندا على تأخير زوالها، إلا أنه فاتها أنه
لا يكون للأمم الصغيرة مكان تحت الشمس في آخر الأمر.
وسيقاوم الإنكليز ذلك الاستيلاء بحكم الطبيعة فيشهرون علينا الحرب،
ولا شك في أنكم ستنضمون إليهم، ولكن بما أنكم ستكونون آنئذ أضعف منكم
اليوم سينحصر شأنكم في تأدية نفقات تلك الحرب الطاحنة على ما يحتمل.
وريثما تقع تلك الحرب نرى منازعاتكم الداخلية والسياسية تضني
قواكم، وقد بلغتم درجة من عدم التسامح والميل إلى الاضطهاد موجبة مقت
جميع الأمم الحرة لكم، ويظهر أن مشاعر الحقد والحسد هي التي بقيت
في الأمم اللاتينية، وكأني بكم تهبطون إلى الدركة السفلى مع أنكم كنتم في
الدرجة الأولى، فقد أخذتم تكونون قومًا ضعافًا أثقلت كاهلهم الضرائب ولم
يبقَ عندهم غير ما يستبقونه من المال.
وأنتم لكي تحولوا دون انحداركم إلى الانقراض يجب أن تعدلوا عن
أحقادكم السياسية والدينية وأن تغيروا طرق تربيتكم وأن تتحلوا بروح
التضامن، لقد بقيتم أرباب فن وفرسان بيان، فصفات مثل هذه وإن كانت