الصفحة 8 من 28

والحق أن الذي دفعه لهذا الغلو -في رأيه- ما يوجَّه في أحيان كثيرة للمفسرين القدامى بأنهم كتبوا ما كتبوا دون أن يربطوا ما فهموه من الآيات بواقعهم المعاش، فأصبحت تفاسيرهم نصوصًا جامدة بلا حياة ولا تَمُت للواقعية بشيء، وهذا كلام غير مسلم به، فالكثيرون من المفسرين كانوا ينزلون الآيات على الواقع الذي يعيشونه، ويربطون الآيات فيه، ومن هنا جاءت هذه الدراسة لتبين أثر الواقع المعاش في فهم النص القرآني وتوجيه معانيه، ثم إن التفسير الموضوعي الذي هو اللون الأبرز في هذا العصر، والذي انتصر له الكاتب السابق، واعتبره أفضل الاتجاهين؛ لأنه قادر على التجدد والاستمرار والتطوير والإبداع؛ لان المفسر يبدأ من الواقع ويعود إلى القرآن، ودور المفسر فيه ايجابي، حيث يقوم باستنطاق الآيات وتنزيلها على الواقع، أقول: إن هذا التفسير التوحيدي لا يمكن له أن يستغني عن التفسير التحليلي التجزيئي للآيات، وإنما هو خطوة تضاف إلى أختها، واتجاه يضاف إلى اتجاه ولا غنى لأحدهما عن الأخر.

المطلب الثاني: آراء المفسرين القدامى في إفسادَيّ بني إسرائيل.

جاءت الآيات التي تناولت إفسادي بني إسرائيل في سورة (الإسراء) التي تحدثت في مطلعها عن الحادثة الخالدة والمعجزة الباهرة التي حملت اسمها، وسورة الإسراء مكية من بدايتها ولنهايتها دون نظر للأقوال التي لا تستند إلى دليل صحيح، والتي جعلت بعض آياتها تحمل الطابع المدني [1] ، وتنوعت آراء العلماء في موضوع السورة ومحورها الذي تدور حوله حلقاتها وأشواطها المختلفة، فيرى رائد التناسب القرآني بين الآيات والسور -الإمام البقاعي- أن:"المقصود بها الإقبال على الله وحده، وخلع كل ما سواه؛ لأنه وحده المالك لتفاصيل الأمور، وتفضيل بعض الخلق على بعض، وذلك هو العمل بالتقوى التي أدناها التوحيد، الذي افتتحت به النحل، وأعلاها الإحسان الذي اختتمت به، وهو الفناء عما سوى الله" [2] .

ويرى الأستاذ سيد قطب أن:"محور موضوعاتها الأصيل هو شخص الرسول صلى الله عليه وسلم وموقف القوم منه في مكة، وهو القرآن الذي جاء به، وطبيعة هذا القرآن، وما يهدي إليه، واستقبال القوم له، واستطراد بهذه المناسبة إلى طبيعة الرسالة والرسل، والى امتياز الرسالة المحمدية بطابع غير طابع الخوارق الحسية، وما يتبعها من هلاك المكذبين بها، والى تقرير التبعة الفردية في الهدى والضلال الاعتقادي، والتبعة الجماعية في السلوك العلمي في محيط المجتمع". [3]

(1) . انظر: ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس، د. ت، 15/ 6.

(2) . نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، خرج آياته وأحاديثه ووضع حواشيه عبد الرزاق غالب المهدي، دار الكتب العلمية - بيروت، ط 3، 2006 م، 4/ 327.

(3) . في ظلال القرآن، دار الشروق، بيروت، ط 10، 4/ 2208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت