ويرى الاستاذ عبد المتعال الصعيدي أن مقاصد هذه السورة ثلاثة:"أولها: إثبات حادثة الأسراء والمعراج، وثانيها: الموازنة بين كتابي المسجدين -القران والتوراة-، وثالثها: بيان حكمة الأسراء من اختبار الناس به" [1] ويضيف د. جمال أبو حسان:"أنها جاءت محذرة جماعة المسلمين من عدوٍ قادم، كي يبدؤوا حساب ما يتعلق بهذه العداوة من أول الطريق، فيكون القرآن الكريم قد نبّه الجماعة المؤمنة من أول نشأتها إلى هذا العدو الذي سيكون له شأن في حياتهم الدينية والاجتماعية". [2]
ولا أرى تعارضًا بين أغراض السورة القرآنية التي قررها أولئك العلماء الافاضل.
لقد ورد ذكر بني إسرائيل في القرن الكريم كثيرًا، حيث عرض القرآن لمقاطع شتى من تاريخهم الطويل مع أنبيائهم، و ما كان من تفضيل لله لهم وعليهم، وما كان من مواقفهم المختلفة مع أنبيائهم، لكن هذه السورة والتي حملت اسمهم بالإضافة لاسمها المعروف [3] عرضت لحلقة من سيرتهم لم تُذكر في غير هذه السورة وهي تتضمن نهايتهم، وتكشف عن العلاقة المباشرة بين مصارع الأمم وفشو الفساد فيها [4] وعرض المفسرون القدامى إلى هذه الآيات التي تناولت إفساد بني إسرائيل، وتعددت الآراء وطالت، حتى قال فيها ابن كثير (774 هـ) :"وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليه مَنْ هم" [5] وقد نقل الشيخ حسنين محمد مخلوف عن الجبائي قوله:"انه تعالى لم يبين ذلك فلا يقطع فيه بخبر". [6]
وأما الطبري (310 هـ) شيخ المفسرين وإمامهم فتحدث بصفحات مطولة [7] حول معاني هذه الآيات أوجزها بما يلي:-
(قضينا) : أعلمنا وأخبرنا، (في الكتاب) : فيما أنزل الله من كتابه على موسى صلوات الله وسلامه عليه، فالمقصود: التوراة، (مرتين) عن ابن عباس: أول الفسادين: قتل زكريا، فبعث الله عليهم بختنصر فنكَّل بهم، وأما على قول ابن إسحاق فكان إفسادهم: المرة الأول: ما وُصف من قتلهم شعياء بن أمصيا
(1) . النظم الفني في القرآن، مكتبة الآداب، القاهرة، 1992 م ص 176.
(2) . أبو حسان، طلائع الإعجاز الغيبي في طوالع سورة الإسراء، بحث غير مطبوع، ص 5
(3) . جاءت تسميتها بسورة (بني إسرائيل) في حديث ابن مسعود الذي أخرجه الإمام البخاري، ونص الحديث: (عن عبدالرحمن بن يزيد قال: سمعت ابن مسعود رضي الله عنه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم، إنهن العتاق الأول وهن من تلادي -مما حفظ قديمًا-، انظر: ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح الإمام البخاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 2، 1402 هـ، كتاب التفسير، سورة بني إسرائيل، 8/ 313.
(4) . انظر: في ظلال القران، 4/ 2212.
(5) . تفسير ابن كثير، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1981، 3/ 26.
(6) . صفوة البيان لمعاني القرآن، دار الفكر، بلا طبعة وتاريخ، 1/ 450.
(7) . انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: أحمد البكري ومجموعة من العلماء، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة، ط 2، 2007 م، 6/ 5097 - 5123.