أنهم لما طغوا وبغوا سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم، وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقًا، وما ربك بظلام للعبيد فأنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقًا من الأنبياء والعلماء [1]
وأوجز مفتي الديار الرومية (أبو السعود 982 هـ) في ذكر الأقوال التي ذكرها شيخ المفسرين ولم يعقب عليها. [2] .
وكذلك فعل ابن عجيبة (1224 هـ) [3] (2) والشوكاني (1250 هـ) [4] (3) الذي علق بعدها قائلًا:"واعلم أنها قد اختلفت الروايات في تعيين الواقع منهم في المرتين، وفي تعيين من سلّطه الله عليهم، وفي كيفية الانتقام منهم، ولا يتعلق بذلك كثير فائدة" [5] .
ونقل الإمام الالوسي (1270 هـ) هذه الأقوال المختلفة في المراد بالإفسادين [6] وعقب قائلًا:"وتفصيل الكلام في ذلك -في كتبهم والله تعالى أعلم بحقيقة الحال- ونعم ما قيل: إن معرفة الأقوام المبعوثين بأعيانهم وتاريخ البعث ونحوه مما لا يتعلق به كبير غرض، إذ المقصود أنه لما كثرت معاصيهم سلط الله تعالى عليهم من ينتقم منهم مرة بعد أخرى". [7]
وبهذا يتبين أن المفسرين القدامى قد اتفقوا على أن الإفسادين قد حدثا فعلًا في تاريخ بني إسرائيل القديم، ولا يحكيان تاريخًا مستقبليًا، وإن تباينت آراؤهم في تعيين الواقع منهم في المرتين وفيمن سلطه الله عليهم. لكن تنوعت اتجاهاتهم في الاعتماد على الروايات المطولة:
فاتجاه ينقل هذه الروايات دون تعليق أو نقد، كما فعل الزمخشري ومن تبعه، واتجاه ينقل هذه الروايات موجزة ولكنه يعلق عليها بأنه لا فائدة من ذكرها ولا يتعلق بها كبير غرض كما فعل الرازي والشوكاني والألوسي وغيرهم. واتجاه يذكر هذه الروايات وينقدها ولا يرجح بعضها، وإن أقر بوقوع الإفسادين في تاريخ بني إسرائيل القديم، ويتمثل هذا الاتجاه بما فعله الحافظ بن كثير الدمشقي.
يُجمع الكثير من العلماء على أن التفسير في العصر الحديث ابتدأ بظهور الأستاذ محمد عبده في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي، ولعل خير شاهد على ذلك، هذا البون الشاسع من حيث الموضوع
(1) . تفسير ابن كثير، 3/ 26.
(2) . انظر: إرشاد العقل السليم (تفسير أبي السعود) ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1999 م، 4/ 111 - 113.
(3) . انظر: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد، تحقيق عمر أحمد الراوي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 2002 م، 4/ 77.
(4) . انظر: فتح القدير، دار إحياء التراث العربي، بدون طبعة وتاريخ، 3/ 209 - 211.
(5) . المصدر السابق، 3/ 211.
(6) . انظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت 1994 م، 9/ 23 - 31.
(7) . المصدر السابق، 9/ 31.