تختلف آراء المفسرين أحيانًا كثيرة في تحديد مدلولات بعض الألفاظ القرآنية، أو معاني ودلالات الآيات القرآنية، وذلك تبعًا للمتغيرات المتنوعة التي تؤثر على عملية فهم النص وتأويله، لكن مما لاشك فيه أن دائرة الاختلاف في التفسير تتسع كلما ابتعدنا عن النواة الأولى أو القوم الأُول الذين نزل عليهم القرآن وعاشوا ملابساته وتنجيمه، فالخلاف بين السلف أقل منه بين المفسرين اللاحقين، وازداد الاختلاف فيما بعد بعدَ نشوء الفرق والمذاهب المختلفة، حيث كانت كل فرقة أو طائفة تلجأ إلى آيات القرآن لتنتصر لمذهبها وتنقض مذهب الفرقة المخالفة لها [1] .
لقد تحدث الكثيرون -أقدمون ومحدثون- عن أسباب الاختلاف بين المفسرين، ودونوا ذلك في أسفار كثيرة وصلت إلينا، فكان من أولئك الذين حازوا قصب السبق في رصد هذه الأسباب الإمام الطوفي الصرصري (716 هـ) حيث قال في مقدمة كتابه (الإكسير) :"السبب في اختلاف الفقهاء، وتفرق الصحابة في البلاد، واختصاص بعضهم بما ليس عند غيره من ناسخ ومنسوخ، أو زيادة في حكم من تقييد مطلق أو تخصيص عام ونحوه، ثم انضم إلى ذلك اختلافهم في تأويل الكتاب والسنة بحسب ما فهموه من اختلاف اللغات والقرائن والأحوال" [2] وهذا ملحظ دقيق من الإمام الطوفي في تقرير دور الواقع والقرائن والأحوال في اختلاف المفسرين في فهم النص القرآني.
وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية (728 هـ) مقدمته المشتهرة في أصول التفسير التي أفاد منها كل من جاء بعده، وقرر فيها: أن الخلاف بين السلف في التفسير كان قليلًا، وأن غالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا تضاد، وبيَّن كيفية ذلك [3] وقرر أن الاختلاف في التفسير على نوعين: ما مستنده النقل فقط، وما كان غير ذلك، وتحدث عن كيفية ذلك مفصلًا [4] وكانت هذه المقدمة نصًا للكثيرين ممن جاءوا بعده. [5]
وذكر المفسر الشهير ابن جزي (741 هـ) في إحدى مقدميته اللتين وضعهما في بداية كتابه (التسهيل لعلوم التنزيل) أثناء ذكره للأبواب النافعة والقواعد الكلية الجامعة، حيث جعل الباب الخامس منها في أسباب الخلاف بين المفسرين وجعلها اثني عشر سببًا وهي:
1.اختلاف القراءات.
(1) .انظر: الخالدي، صلاح، تعريف الدارسين بمناهج المفسرين، دار القلم، دمشق، ط 1، 2002 م، ص 81.
(2) . الطوفي، الإكسير في علم التفسير، تحقيق: عبد القادر حسين، المطبعة النموذجية، مصر، 1977 م، ص 7 - 8.
(3) . انظر: العثيمين، محمد بن صالح، شرح مقدمة في أصول التفسير، دار ابن الجوزي، القاهرة، ط 1، 2005 م، ص 23 وما بعدها.
(4) . انظر: المرجع السابق، ص 48 وما بعدها.
(5) . انظر: السيوطي: الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: محمود القيسيسة ومحمدالأتاسي، مؤسسة النداء، أبو ظبي، ط 1، 2003 م، 4/ 346 - 354. الذهبي، محمد حسين، التفسير والمفسرون، دار الأرقم، بيروت، د. ت، 1/ 89 - 93. الخالدي، تعريف الدارسين، ص 82 - 90.