الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين وبعد؛
فإن الاختلاف بين الناس سنة إلهية حيث يقول تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) } [الروم / 22] ، فالاختلاف الفطري المركوز في النفوس البشرية هو آية دالة على إبداع الخالق سبحانه في الأكوان جميعها، وإن للفروق الفردية والاختلافات التكوينية والبيئات المادية والمعنوية أثرًا بارز في نشوء الاختلافات النفسية والفكرية والثقافية بين هذه المخلوقات البشرية.
والاختلاف بين المفسرين في فهم النص القرآني وتوجيهه له أيضًا مبرراته المختلفة المتعلقة تارة بالنص القرآني واحتماله لوجوه التأويل المختلفة، والمتعلقة تارة أخرى بشخصية المفسر والفروق الذاتية بين المفسرين في امتلاك وتفعيل أدوات فهم النص القرآني، والمتعلقة تارة ثالثة بالواقع الذي يعيشه المفسر وقدرته على ربط النص القرآني بهذا الواقع المعاش، واستنطاق الآيات على ضوء المشكلات الواقعية التي يحياها في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة، أو في سبيل إدماج النص القرآني بالواقع وتحديد موقفه من هذا الواقع باعتبار أن القرآن هو القيم والمصدر الذي يحدد على ضوئه الأحكام الإلهية بالنسبة إلى ذلك الواقع.
لقد اختلفت آراء المفسرين قديمًا وحديثًا في فهم آيات إفساد بني إسرائيل التي جاءت في سورة الإسراء في قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8) } [الإسراء / 4 ـ 8] وذلك في ضوء متغيرات الزمان والمكان والوقائع المختلفة، فهل حدث هذان الإفسادان في الماضي التليد من تاريخ بني إسرائيل؟ وإذا كان كذلك فما هما هذان الإفسادان؟ وما زمانهما؟ أم إن بعض هذا الفساد قديم وبعضه حديث؟ أم إنها سلسلة لا تحديد لها من الإفسادات في تاريخ بني إسرائيل الزاخر بالظلم والطغيان؟