سلم من جهة، وهي غير منسجمة مع السياق من جهة أخرى، وان ما ذكره المفسرون من إفساد بني إسرائيل كان قبل الإسلام ايًا كان زمنه لا ينسجم مع السياق ومع روح الآيات وتوجيهها ...." [1] "
وقد عرض الدكتور بالإطناب المفيد الأدلة التي ترجح أن الإفساد الأول هو ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وان الإفساد الثاني هو ما نحياه الآن، وسنأتي على هذه الأدلة فيما بعد.
ووجدت من المحدثين د. اسعد محمود جويد في تفسيره (أيسر التفاسير) ينقل عن الشيخ محمد متولي الشعراوي مثل هذا الكلام السابق [2] ولم يستبعد د. محمد سليمان الأشقر أن تكون ثاني مرتي الإفساد هي هذه التي نحياها في هذا العصر وإن نقل الأقوال الأخرى المشتهرة [3] .
وأما د. جمال أبو حسان فقد انتصر لرأيه الموافق للأستاذ عبد المعز والدكتور فضل حسن عباس، واعتبر حديث القرآن عن هذين الإفسادين من طلائع الإعجاز الغيبي للقرآن [4] .
وبذلك يتبين أن المفسرين في العصر الحديث قد تنوعت اتجاهاتهم وتعددت آراؤهم وذلك من خلال تعاملهم مع الواقع المعاش، من إفساد بني إسرائيل الذي جعل منهم سادة للدنيا بما سيطروا عليه من وسائل النفوذ، ومن خلال إقامتهم عاصمتهم المزعومة في قلب العالم الإسلامي، بحيث ظهرت ظلال جرائمهم في ترجيحات المفسرين على ضوء هذا الواقع المؤلم.
يترجح لدى الباحث بما لا يقبل الشك أن ما تفضل به الأساتذة عبد المعز عبد الستار والأديب عبد الحميد جودة السحار، وما أفاض به الأستاذ سعيد حوى ـ في البداية ـ وحمل الآيات عليه حملًا متسقًا تمامًا مع سياق وسباق الآيات، ويتفق الباحث أيضا مع استدلالات وتوجيهات الأستاذ الدكتور فضل حسن عباس للآيات؛ لان هذه التوجيهات والاستدلالات قائمة على الدعائم والأصول المعتمدة لدى علماء الشأن في التحليل والترجيح، من تحكيم اللغة والسياق وصحيح المأثور.
ويوافق الباحث - أيضا- على توجيه د. جمال أبو حسان من أن هذه الآيات -مدار البحث- من المعجزات الغيبية التاريخية في القرآن الكريم [5] ، فسورة الإسراء مكية خالصة استهلت بالحديث عن معجزة الإسراء والمعراج: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
(1) . انظر: الإسراء والمعراج دروس ونفحات، دار الفرقان للنشر والتوزيع، عمان، ط 3، 2004 م والطبعة الأول كانت عام 1986 ص 109 - 120.
(2) . انظر: أيسر التفاسير، راجعه الشيخ محمد متولي لشعراوي، والشيخ احمد حسن مسلم، بدون دار نشر، ط 1، دمشق 1998، 1/ 769 - 772.
(3) . انظر: زبدة التفسير، دار النفائس للنشر والتوزيع، العبدلي، ط 1، 2002 م ص 282.
(4) . انظر: بحث: طلائع الإعجاز الغيبي في طوالع سورة الإسراء ص 15 - 21
(5) . نظر: بحث: طلائع الاعجاز الغيبي في طوالع سورة الإسراء ص 22.