غير إخلال بمقصد القائل فلا يصح نقل الخلاف فيها عنه" [1] ، ثم ذكر الشاطبي عشرة أسباب لعدم الاعتداد بالخلاف يجب أن لا تغيب عن بال المجتهد. [2] "
وواضح تمامًا موافقة الإمام الشاطبي لما سبق وقرره شيخ الإسلام في مقدمته المشتهرة، ولما عبر عنه الزركشي (794 هـ) بقوله:"لا ينبغي أن يفهم من اختلاف العبارات اختلاف المرادات كما قيل:"
عباراتنا شتى وحسنك واحد وكل إلى ذاك الجمال يشير
وكثيرًا ما يذكر المفسرون شيئًا في الآية على جهة التمثيل لما دخل في الآية فيظن بعض الناس أنه قصر الآية على ذلك". [3] "
ويبرز من المُحدثين الأستاذ الدكتور فضل حسن عباس الذي عرض بإطناب إلى أسباب اختلاف المفسرين في كتابه (التفسير أساسياته واتجاهاته) وقرر بعد استعراض ما كُتب أن: الاختلاف في التفسير النقلي -وهو قليل جدًا- يرجع إلى أنواع ثلاثة: -
أولًا: الاختلاف فيما صح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: الاختلاف الناشئ عن اختلاف القراءات الصحيحة.
ثالثًا: اختلافهم فيما مرجعه اللغة، أي: احتمال الكلمة لأكثر من معنى لغوي. [4]
وتحدث عن الاختلافات الناشئة عن أسباب أخرى، كالاتجاه المذهبي -العقدي والفقهي- أو غير ذلك. [5]
وبذلك يتقرر أن الاختلاف في التفسير النقلي محدود بأسبابه وآثاره، وأن أكثر ما يمكن أن ينشأ من اختلاف في التفسير إنما هو في التفسير بالرأي الذي يقوم على الاجتهاد.
ومن هنا تظهر أهمية الواقع المعاش وأثره في اختلاف اجتهادات المفسرين في تأويل الآيات القرآنية وتنزيلها على الواقع، وقد عرًّض بعض العلماء وعلى رأسهم الأستاذ محمد باقر الصدر في المفسرين الذين كتبوا في التفسير التحليلي للقرآن الكريم واتهم هذا الاتجاه في التفسير بالجمود على حساب التفسير الموضوعي أو التوحيدي وبأنه ساعد على إعاقة الفكر الإسلامي القرآني عن النمو المكتمل؛ لأن المفسر التجزيئي دوره سلبي، فهو يبدأ أولًا بتناول النص القرآني دون أي افتراضات أو اطروحات سابقة، ويحاول أن يحدد المدلول القرآني على ضوء ما يسعفه به اللفظ، مع ما يتاح له من القرائن، دون أن يلتحم القرآن مع الواقع، ومع الحياة فتكون عملية منعزلة عن الواقع، منفصلة عن تراث التجربة البشرية [6] .
(1) . الموافقات في أصول الشريعة، شرح وتخريج عبد الله دراز، دار الحديث، القاهرة، طبعة عام 2005 م 4/ 445.
(2) . انظر: المصدر السابق، 4/ 445 - 449.
(3) . البرهان في علوم القرآن، تحقيق أبي الفضل الدمياطي، دار الحديث، القاهرة، 2006 م ص 423.
(4) . انظر: التفسير أساسياته واتجاهاته، ص 277 - 288.
(5) . انظر: المرجع السابق، ص 258 و 292.
(6) . الصدر، محمد باقر، المدرسة القرآنية، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط 2، 1981 م، ص 7 - 38.