كان قتل زكريا وحبس نبيهم أرميا، وان الله في الأول بعث أهل بابل وكان عليهم بختنصر لينتقم منهم، والثانية قتلهم يحيى بن زكريا، وهذا التفسير لا يتفق مع الحقيقة التاريخية، فقتل زكريا وقتل يحيى كانا بعد ميلاد السيد المسيح عليه السلام، بينما كان بختنصر قبل الميلاد بخمسمائة سنة ... ولما لم أجد أي من التفسيرات التي قرأتها تتفق مع الحقائق التاريخية الثابتة فقد عدت مرة أخرى اقلب صفحات التاريخ فوجدت أن اليهود وقد عادوا مرة واحدة في تاريخهم الطويل إلى القدس بعد أن حملهم بختنصر ملك العراق أسرى إلى بابل، وكانت تلك العودة أيام قورش مؤسس الأسرة الساسانية الفارسية، وقد ظلوا بها إلى أن طردهم منها الرومان، واستمروا مشردين في الأرض ولم يدخلوا بيت المقدس مرة ثانية إلا بعد العدوان الثلاثي الأخير، فإنهم في عدوان سنة 1956 م لم يدخلوا المسجد الحرام.
إن الآيات الكريمة لا يمكن أن تفسر إلا بعودة بني إسرائيل إلى القدس ثم بطردهم منها ليكون في ذلك إذلال لهم وإمعان في الهوان، وقد عادوا إليها هذه المرة فأصبح على العرب أن يجمعوا صفوفهم على قلب رجل واحد وان يوحدوا قبلتهم وان يطهروا نفوسهم، وان ينصروا الله لينصرهم، ليكونوا أهلا للنصر الكبير الذي وعدهم الله في كتابه الكريم". [1] "
ولم يستبعد الأستاذ سعيد حوى أن تكون الإفسادة الثانية هي ما نراه الآن فقال:".. ويمكن أن نفهم المسألة فهمًا أخر بأن نعتبر الإفساد الأول هي محاولاتهم الوقوف في وجه الدعوة الإسلامية، وتسليط الله المسلمين عليهم وعلى ديارهم حول المدينة المنورة، والإفسادة الثانية هي الإفسادة الحالية فيكون معنى الآيات: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ} أي في القرآن {لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا} أي لتطغن طغيانًا كبيرًا، {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا} أي الإفسادة الأولى {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا} هم الصحابة {أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ} أي سيطروا عليها سيطرة تامة {وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ} بعد مئات السنين {رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} على المسلمين بأن جعلنا لكم الغلبة {وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} كما هم الآن فهم أغنياء ويستطيعون استنفار العالم ضدنا {إِنْ أَحْسَنْتُمْ} بالدخول في الإسلام ومتابعة محمد صلى الله عليه وسلم {أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ} برفض الإسلام {فَلَهَا} فنفع أعمالكم عائد عليكم {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ} أي فإذا جاء وعد الإفساد ة الآخرة ليسوء المسلمون وجوهكم {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ} أي الأقصى مستردينه منكم {كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} كما أخذوه الأخذة الأول يوم فتح القدس عمر {وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} وليهلكوا في علوهم"
(1) . انظر: وعد الله وإسرائيل، دار مصر للطباعة والنشر، القاهرة، 1967 م. ص 7 - 10 بتصرف بسيط.